قوله : ( حسبما قدره ) حسب هنا بمعنى القدر وما مصدرية أو موصولة عبارة عن زمان تقدير وهو الأولى لوجود الضمير الراجع إليه والمعنى قدر زمان قدره اللّه تعالى للحياة وزوالها وهكذا حال كل مخلوق فإنه تعالى قضى له في الأزل زمانا ومدة معينة فلا يتغير بشيء أصلا ولعل ذكره هنا للتنبيه على أن الموت بسبب كالقتل والإحراق والإغراق واقع حسبما قدره اللّه تعالى ولا يمكن وقوعه في غير ذلك بسبب من الأسباب كما زعم بعض الناس وإلا فذكره هنا دون سائر المواضع لا يعرف له وجه وما قاله الفاضل المحشي من أنه إشارة إلى أن التقدير معتبر في مفهوم الخلق فليس بمرجح ذكره هنا وإن كان له وجه في الجملة والقول بأن الظاهر أن المراد أن إيجادهما عبارة عن إيجادهما زمانا مجازا سخيف جدا لأن الحياة عرض موجود يحتاج في وجوده إلى الإيجاد وكذا الموت كما عرفته ولأن الزمان عند المتكلمين أمر موهوم « 1 » غير موجود فلا إيجاد ولو أثبت الإيجاد له يكون مجازا عن إيجاد ما وجد فيه عكس ما ذكره القيل .
قوله : ( وقدم الموت لقوله :
وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ
[ البقرة : 28 ] ولأنه ادعى إلى حسن العمل ) وقدم الموت أي مع أنه متأخر عن الحياة فأجاب أولا بمنع تأخره بحمل الموت على ما تقدم على الحياة كما عرفته مفصلا وثانيا بتسليم تأخره عنها في الوجود بحمل الموت على إزالة الحياة فحينئذ وجه التقديم كونه ادعى إلى حسن العمل وهو أهم هنا فقدم لكونه أهم لأن فيه تذكرة وموعظة وداعية إلى ترك حب الدنيا الذي هو رأس كل خطيئة وإنما قال ادعى إلى العمل باسم التفضيل لأن الحياة أيضا لكونها نعمة عظيمة داعية إلى حسن العمل والإطاعة لموليها .
قوله : ( ليعاملكم معاملة المختبر بالتكليف ) أصل البلاء الامتحان والاختبار وهو
مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها
[ الزمر : 42 ] وقوله :
إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ
[ الزمر : 30 ] قيل سيموت على أنه لا بد لكل أحد من الموت وقيل فيه إشارة إلى ما يعتري الإنسان في كل حال من التحلل وإن البشر ما دام في الدنيا يموت جزءا فجزءا وقد عبر عن هذا المعنى بالمايت .
قوله : ولأنه ادعى إلى حسن العمل لما كانت الحكمة من خلق الموت والحياة اختبار العباد أيهم أحسن عملا في طاعة اللّه تعالى قدم الموت على الحياة لأن الموت ادعى للخلق على حسن العمل للخالق من الحياة فإن الموت دليل على انقراض العمر وانصرامه وأن ليس لهذا البقاء دوام فمن علم أن هذا شأنه أوجب على نفسه التأهب للآخرة والعمر السرمد بحسن العمل فالتقديم للعناية والاهتمام .
قوله : ليعاملكم معاملة المختبر لما لم يصح إسناد حقيقة الاختبار إلى علام الغيوب والخفايا حمله على المجاز المستعار شبه بالاختبار بناء أمرهم على الاختبار فاستعمل اللفظ الموضوع للمشبه به في المشبه .
هامش
( 1 ) وإن ناقش فيه قدس سره في شرح المواقف بأن مقتضى كلامهم كون الزمان أمرا موجودا .