أصدق كما قاله أبو علي الفارسي واختاره الشيخان ومختار الخليل وسيبويه أنه عطف على توهم الشرط الذي يدل عليه التمني لأن الشرط غير ظاهر ولا مقدر حتى يعتبر العطف على الموضع كقوله تعالى :
مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ
[ الأعراف :
186 ] ونقل عن العصام أنه قال أعلم أن المنصوب بعد الفاء في غير النفي ينجزم بعد سقوط الفاء فتقول في زرني فأكرمك زرني أكرمك ولذا يعطف المجزوم على المنصوب بعد الفاء نحو فاصدق وأكن انتهى كأنه قيل لولا أخرتني أكن من الصالحين ونبه المصنف على ذلك بقوله وجزم أكن للعطف على موضع الفاء وما بعده وقول أبو علي الفارسي لأنه في معنى إن أخرتني أصدق يشير إلى ذلك ولا حاجة إلى أن الشرط متوهم الخ لأن التمني كاف في ذلك كما أشرنا بقولنا كأنه قيل لولا أخرتني أكن وما قاله الفارسي من قوله لأنه في معنى إن أخرتني أصدق فميل إلى حاصل المعنى لا لأنه لازم ولما كان قول الفارسي ظاهرا راجحا اختاره المصنف .
قوله : ( وقرأ أبو عمرو وأكون منصوبا عطفا على أصدق ) فيكون الفاء معتبرا في فوق أكون فيكون منصوبا لما عرفت مما نقل عن العصام وأما في الأول فالعطف على مجموع الفاء وما بعده فلا يكون الفاء معتبرا في فوق أكن فيكون مجزوما كما كان كذلك إن كان جوابا بنفسه بدون عطف نظيره عطف على محل أن وما بعده « 1 » فلا يكون إن معتبرا في الجملة المعطوفة أو عطف على مدخول إن فيكون إن معتبر في المعطوفة وليس مراده وجزم أكن للعطف على موضع الفاء وما بعده لكونه مجزوما حتى يعترض بأن موضع الفاء وما بعده ليس في موضع الجزم كما نقله السعدي وأجاب بما بعد عن الأذهان لدى أهل العرفان بل مراده ما ذكرناه مما نقلناه عن العصام .
قوله : ( وقرىء بالرفع على وأنا أكون فيكون عدة بالصلاح ) النحويون وأهل المعاني يقدرون المبتدأ في أمثاله من الأفعال المستأنفة لا لأن الفعل لا يصلح للاستئناف مع الواو الاستئنافية كما هنا وبدونها فإنه لم يذهب إليه أحد من علماء العربية وقد صرح الشيخان في مواضع عديدة أن الفعل مستأنف سواء بالواو أو لا ولعل تقدير المبتدأ في مثله للتنبيه على أن الواو استئنافية لا عاطفة إذ عطف الجملة الاسمية على الفعلية ليس من المحسنات مطلقا وأما الفعل فيحسن عطفه ولو بالتمحل وقد جوز الفاضل السعدي في الرفع أيضا جزم ومن قال وأكون حمله على لفظ
فَأَصَّدَّقَ
[ المنافقون : 10 ] لأن الحمل على اللفظ عندهم أحسن إذ لم يظهر على الموضع إعراب وما لا يظهر يجري مجرى المطروح المرفوض روي عن صاحب الكشاف أنه قال ليس في الزجر عن التفريط في هذه الحقوق أعظم من ذلك فلا أحد يؤخر ذلك إلا ويجوز أن يأتيه الموت عن قرب فيلزمه التحرز الشديد من هذا التفريط في كل وقت .
تمت السورة واللّه سبحانه وتعالى أعلم بأسرار كلامه أحمد اللّه مفتتحا ومختتما أقول .
هامش
( 1 ) قال المصنف في قوله تعالى :عَلَّامُ الْغُيُوبِ *في أواخر سورة سبأ صفة محمولة على محل إن واسمها .