قوله تعالى :
[ سورة الفتح ( 48 ) : آية 2 ]
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً ( 2 )
قوله : ( علة للفتح ) أي بالمعنى الأول ولم يتعرض لمعنى القضاء كما تعرض الأول لما عرفت أنه مرجوح والمراد بالعلة صورة العلة واللام مستعار كاللام في قوله تعالى :
فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ
[ القصص : 8 ] الآية وتوضيح هذا معلوم من توضيح ذلك وقد أوضحه علماء البيان وفي الكشاف جعل فتح علة للمغفرة وظاهر كلام المصنف الرد عليه حيث جعل المغفرة علة للفتح وهو الظهر لأن اللام إنما تدخل على العلة والقول بأن الغاية لها جهتان علية ومعلولية على ما تقرر فلا لوم على من نظر إلى جهة المعلولية لظهور صحته ضعيف أما أولا فلأن النظر إلى جهة علية الفتح ومعلولية المغفرة إنما يحسن بل إنما يصح إن دخل اللام على الفتح دون المغفرة وإذا دخل اللام على المغفرة فكيف يجعل قوله : علة للفتح من حيث إنه مسبب عن جهاد الكفار يعني كان الظاهر أن يكون علة المغفرة فعل المكلف من الطاعات وقد جعل العلة هنا فتح مكة وهو فعل اللّه لقوله :
إِنَّا فَتَحْنا لَكَ
[ الفتح : 1 ] فكيف يكون فتح اللّه مكة علة لمغفرته صلّى اللّه عليه وسلّم فأجاب رحمه اللّه بأن فتح مكة مسبب عن فعل هو لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو الجهاد والسعي ولذلك جعل علة لمغفرته عليه الصلاة والسّلام قال الطيبي رحمه اللّه يمكن أن يقال إذا جعل فتح مكة علة للمغفرة لأنه سبب لأن يؤمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالاشتغال بخاصة نفسه بعد بذل المجهود فيما كلف به من تبليغ الرسالة ومجاهدة إعلاء الدين وبالاقبال على التقوى واستدراك الفرطات كما قال تعالى :
إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ
[ النصر : 1 ] إلى قوله :
فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً
[ الفتح : 3 ] ويجوز أن يراد بالفتح ما فتح اللّه تعالى على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من العلوم والهدايات فعلى هذا معنى العلية ظاهر والمعنى إنا أعلمناك وهديناك إلى طريق الدين لتعمل بموجب ما علمناكه ويكون ذلك سببا لمغفرة فرطاتك قال الراغب الفتح إزالة الإغلاق والإشكال وهو ضربان أحدهما ما يدرك بالبصر كفتح الباب والغلق والقفل والمتاع قال تعالى :
وَلَمَّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ
[ يوسف : 65 ] ولو فتحنا عليهم بابا من السماء والثاني ما يدرك بالبصيرة كفتح الهم وهو إزالة الغم وذلك ضربان أحدهما في الأمور الدنيوية كغم يزال باعطاء المال وقال تعالى :
فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ
[ الأنعام : 44 ] أي وسعنا والثاني فتح المغلق من العلوم نحو قولهم فلان فتح من العلم بابا مغلقا وقوله تعالى :
إِنَّا فَتَحْنا لَكَ
[ الفتح : 1 ] قيل عنى به فتح مكة وقيل بل عنى ما فتح به على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من العلوم والهدايات التي هي طريقة إلى الثواب والمقامات المحمودة التي صارت سببا لغفران ذنوبه وفاتحة كل شيء مبدؤه الذي يفتح به ما بعده وقيل افتتح فلان كذا إذا ابتدأ به وفتح عليه كذا إذا علمه ووقفه عليه قال تعالى :
أَ تُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ
[ البقرة : 76 ] وفتح القضية فتاحا فصل الأمر فيها وأزال الإغلاق قال تعالى :
رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ
[ الأعراف : 89 ] والاستفتاح طلب الفتح قال تعالى :
وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا
[ البقرة : 89 ] أي يستنصرون ببعثة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وقيل يطلبون من اللّه تعالى بذكره الظفر وقيل يستعملون خبره مرة ويستنبطونه مرة وباب فتح مفتوح في غاية أحواله وغلق بخلافه وروي من وجد بابا غلقا وجد إلى جانبه بابا فتحا إلى هنا كلام الراغب .