تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 433

مساهمون:

ص٤٣٣
بلفظ الماضي وبلفظ المضارع لكن المناسب حينئذ أن يقال إن لفظ الماضي في هذه المواضع للاستمرار لأنه دل على تسبيحهم فيما مضى ولم يدل على انقطاع طري كقوله تعالى :
وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً
[ النساء : 152 ] كما قال هكذا في توضيح قوله تعالى :
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ
[ آل عمران : 110 ] الآية وأن يقال إن لفظ المضارع هناك للاستمرار مجازا إذ العلة تقتضيه وتعبيره هذا أنسب بالاحتمال الأول فتأمل من شأن ما أسند إليه الضمير المستكن في أسند للتسبيح وضمير إليه للموصول وضمير يسبحه للّه تعالى وتفكيك الضمائر عند وجود القرينة والأمن من الالتباس لا بأس فيه . قوله : ( لأنه دلالة جبلية لا تختلف باختلاف الحالات ) أي تسبيح ما في السماوات والأرض دلالة جبلية الخ لأن جميع الممكنات الموجودة سواء كانت من ذوي العقول أو لا لإمكانها وحدوثها يدل على صانع واجب الوجود موصوف بصفات الكمال منزه عن جميع سمات النقص وهذه الدلالة هي التسبيح بلسان الحال وهي أنطق من لسان المقال فلا جمع بين الحقيقة والمجاز ولو قيل إن المراد بالتسبيح التنزيه مطلقا عما لا يليق به تعالى شامل لما وقع بالمقال كتسبيح الملائكة والمؤمنين من الثقلين ولما وقع بلسان الحال كتسبيح غيرهم يكون التسبيح عموم المجاز فلا جمع بينهما أيضا وهذا التسبيح بلسان الحال شامل للعقلاء أيضا فلهم تسبيحان تسبيح بالمقال وبلسان الحال والظاهر من كلام المصنف أن المراد بالتسبيح ما كان بدلالة الحال حيث قال لأنه دلالة جبلية ولا ريب أنه لا يختلف باختلاف الحالات بخلاف التسبيح بالمقال وكلمة ما يعم القبيلتين وإن خص بغير العقلاء ففيه تغليب حينئذ ثم هذا الكلام شامل لنفس السماوات والأرض إذ المراد بما فيهما ما وجد فيهما داخلا في حقيقتهما أو خارجا عنهما متمكنا فيهما فهو أبلغ من قوله : سبح للّه ما في السماوات والأرض وما فيهن كما حقق ذلك في آية الكرسي . قوله : ( ومجيء المصدر مطلقا في بني إسرائيل أبلغ من حيث إنه يشعر بإطلاقه على استحقاق التسبيح من كل شيء وفي كل حال ) ومجيء المصدر مطلقا أي عن الدلالة على قوله : لأنه دلالة جبلية لا تختلف باختلاف الحالات أي لأن ما في السماوات والأرض علامة دالة دلالة واضحة على وجود الصانع وعلى صفاته الكاملة لا ينفك عن تلك الدلالة بحال وصفاته تعالى إما ثبوتيات أو سلبيات والتسبيح هو الوصف بالسلبيات والحكمة في اختلاف الألفاظ الدالة على التسبيح في فواتح السور حيث جيء في بعضها بلفظ الماضي وفي بعضها بلفظ المضارع وفي بعضها بلفظ الأمر وفي بعضها بلفظ المصدر وهي الإشعار بدوام تلك الدلالة الغير المنفكة من تلك الدلائل المنصوبة في السماوات والأرض بل نفس السماوات والأرض من عجائب تلك العلامات المنصوبة المشيرة إلى وجود صانعهما وكمال صفاته إثباتا وتنزيها فأفاد اختلاف تلك الكلمات في تلك الفواتح تلك المكنونات من لدن إخراجها من العدم إلى الوجود مسبحة للّه تعالى مقدسة لذاته سبحانه وتعالى قولا وفعلا ودلالة وإشارة تسبيحا مستمرا لا يختص تسبيحها بزمان دون زمان بل تسبحه تعالى تسبيحا مستوعبا لجميع الأزمان .
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 433 | اسماعيل بن محمد القونوي / عبد الله محمود محمد عمر