رؤية قلبية أنه عليه السّلام أي هذا الخبر الشريف وهذا بناء على أنه عليه السّلام لم ير اللّه تعالى في ليلة المعراج ببصره بل رآه بقلبه كما ذهبت إليه عائشة أم المؤمنين رضي اللّه تعالى عنها ولعل المراد رؤية قلبية حاصلة في ليلة المعراج خاصة لا يعرف كيفها وليست تلك الرؤية الكاملة في غيرها وإلا فأصل الرؤية القلبية حاصلة في عموم الأوقات بحيث لا يغيب عنها وقيل إنه رأى ربه بالبصر بلا كيف كما أشار إليه المصنف أولا وهو الظاهر المتبادر من المعراج بجسده ولائق بأن يخصص به والحديث المذكور مع كونه خبر الآحاد يجوز أن يكون مراده رأيت بفؤادي وببصري لكن لم يذكر الأخير مخافة الفتنة لأن المخاطب ممن لا يفهم معناه يقع في فتنة عظيمة والعلم عند اللّه الملك المتعال قوله :
ما كَذَبَ
[ النجم : 11 ] بالتشديد من التفعيل .
إلى ربه أو من اللّه تعالى والدنو والتدلي على هذا متأول ليس على وجهه قال جعفر بن محمد الدنو من اللّه تعالى لا حد له ومن العباد بالحدود فدنوه صلّى اللّه عليه وسلّم من ربه عز وجل قربه منه وظهور عظيم منزلته لديه وإشراق أنوار معرفته عليه واطلاعه على أسرار ملكوته وغيبه بما لم يطلع عليه سواه والدنو من اللّه تعالى إظهار ذلك له وإيصال عظيم بره وفضله إليه وقاب قوسين أو أدنى على هذا عبارة عن لطف المحل وإيضاح المعرفة والإشراف على الحقيقة من نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم ومن اللّه تعالى إجابة الرغبة وإبانة المنزلة ونحوه قوله صلّى اللّه تعالى عليه وسلم حكاية عن ربه تعالى « من تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا » هذا آخر كلام ابن عياض وأما صاحب التحرير فإنه أجاز إثبات الرؤية قال والحجج في هذه المسألة وإن كانت كثيرة لكنا لا نتمسك إلا بالأقوى منها حديث ابن عباس أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم والكلام لموسى والرؤية لمحمد صلوات اللّه عليهم والأصل في هذا الباب حديث ابن عباس خير الأمة والرجوع إليه في المعضلات وقد راجعه ابن عمر في هذه المسألة هل رأى محمد صلّى اللّه تعالى عليه وسلم ربه فأخبره أنه رآه ولا يقدح في هذا حديث عائشة رضي اللّه عنها لأن عائشة رضي اللّه عنها لم تخبر أنها سمعت من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بقول لم أر ربي وإنما ذكرت متأولة لقوله تعالى :
ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ
[ الشورى : 51 ] الآية ولقوله :
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ
[ الأنعام : 103 ] والصحابي إذا قال قولا وخالفه غيره منهم لم يكن قوله حجة وإذا صحت الروايات عن ابن عباس في إثبات الرؤية وجب المصير إلى إثباتها فإنها ليست مما تدرك بالعقل وتوجد بالظن والاجتهاد وقد قال معمر بن راشد حين ذكر اختلاف عائشة وابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أما عائشة عندنا بأعلم من ابن عباس ثم إن ابن عباس أثبت شيئا نفاه غيره والمثبت مقدم على النافي هذا كلام صاحب التحرير فقال الشيخ محيي الدين رحمه اللّه الحاصل أو الراجح عند أكثر العلماء أن رسول اللّه صلّى اللّه تعالى عليه وسلم رأى ربه سبحانه وتعالى بعيني رؤيته ليلة الإسراء وإثبات هذا ليس إلا بالسماع من رسول اللّه عليه الصلاة والسّلام هذا مما لا ينبغي أن يشك فيه ثم إن عائشة رضي اللّه عنها لم تنف الرؤية بحديث ولو كان معها حديث لذكرته وإنما اعتمدت على الاستنباط من آيات القرآن أما احتجاجها بقوله تعالى :
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ
[ الأنعام : 103 ] فجوابه أن الإدراك هو الإحاطة به وإذا ورد النص بنفي الإحاطة لا يلزم منه نفي الرؤية بغير إحاطة وبقوله :
وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ
[ الشورى : 51 ] الآية فجوابه أنه لا يلزم من الرؤية وجود الكلام حال الرؤية فيجوز وجود الرؤية من غير كلام أو أنه عام مخصوص بما