أن القول المذكور بعد تقرر دخول أهل جهنم فيها من الجن والإنس أجمعين وأما دفع المخالفة بما ورد في الحديث من أنه يضع فيها رب العرش فينزوي بعضها إلى بعض فيحصل حينئذ الامتلاء فمما لا ينبغي أن يتعرض له إما أولا فلأن الحديث المذكور من المتشابهات فلا نشتغل بتأويله كما هو مختار السلف أو يأول بما يناسب المقام وقد أول بعضهم بأن المراد بالقدم الكفار على أن القدم بمعنى التقدم كقوله تعالى :
قَدَمَ صِدْقٍ
[ يونس : 2 ] ويرده رواية رجله بدل قدمه وكذا يرد قول بعضهم المراد بالقدم هنا بعض مخلوقاته أو أقدام بعضهم أضيف إليه لأنه عن أمره وحكمه وتأويل رجله بالجماعة تأويل بارد كيف وقد روي أنه يضع فيها رب العرش قدمه فالتعرض للحديث المذكور هنا من فضول الكلام والاشتغال بتأويله المذكور ونحوه مما يتحير أولو الأحلام .
قوله : ( أو أنها من شدة زفيرها وحدتها وتشبثها بالعصاة كالمستكثر لهم والطالب لزيادتهم ) أو أنها من شدة زفيرها وحاصله أن الزيادة المذكورة ليس على ظاهرها بل تمثيل حالها بحال المستكثر المفروض وهذا الموافق لقول المص للتخييل وأن قوله كالمستكثر وإن كان خبرا لقوله أو أنها من شدة زفيرها لكنه مشبه به على الوجوه كلها كما أوضحناه وقيل والحاصل أن نفي الزيادة واثباتها إما على ظاهرها أو هو كناية عن الاستكثار أو مجاز أن قيل إن إرادة المعنى الحقيقي لازمة فإن المخاطب هنا هو اللّه تعالى فالإنكار غير مناسب وقوله كالمستكثر ناظر إلى قوله لشدة زفيرها إلى آخر كلامه قوله كالمستكثر لهم والطالب لزيادتهم بيان المشبه به المفروض لا المحقق لكن المشبه الحالة المحققة وقد مرّ أن التشبيه لا يقتضي تحقق المشبه به بل يكفي الفرض فيه ألا يرى أن صاحب الكشاف قال في قوله تعالى :
خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ
[ البقرة : 7 ] شبه قلوب الكفار بقلوب مفروض ختمها الخ فكذا هنا والمشبه به دار عقاب مفروض وجودها تستكثر لهم وتطلب لزيادتهم وهنا احتمال آخر وهو أن اللّه تعالى خلق في جهنم فهما ونطقا كما خلق ذلك في الحصا والجذع حتى سبح ولم يتعرض له المصنف هنا كما تعرض في قوله تعالى :
إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ الأحزاب : 72 ] نقلا عن الغير لكونه خلاف العادة لا لعدم القدرة عليها ومثل هذا الغائب والشاهد سواء وأمور الآخرة كأمور الدنيا بالنظر إلى العادة يحتاج إلى التأويل فيهما وبالنظر إلى الإمكان الذاتي والقدرة باق على ظاهره سواء كان أمور الدنيا كما مر في قوله :
إِنَّا عَرَضْنَا
[ الأحزاب : 72 ] أو أمور الآخرة كما فيما نحن فيه فإشكال صاحب الانتصاف واستحسان بعضهم ذلك ضعيف .
قوله : كالمستكثرة لهم والطالبة لزيادتهم السين في المستكثرة للطلب فقوله والطالبة لزيادتهم عطف عليه عطف تفسير ذكر صاحب الكشاف فيه وجها آخر حيث قال ويجوز أن يكون
مِنْ مَزِيدٍ
[ ق : 30 ] استكثارا للداخلين فيها واستبعادا للزيادة عليهم لفرط كثرتهم تم كلامه والاستكثار فيه من قولهم استكثره أي عده كثيرا فسينه ليس للطلب والاستفهام في
هَلْ مِنْ مَزِيدٍ
[ ق : 30 ] في هذا الوجه مشكل لأنه حينئذ بمعنى الإنكار والمخاطب هو اللّه تعالى ولا يلائمه أيضا معنى الحديث الذي أوردناه ولعل القاضي رحمه اللّه ترك هذا الوجه لهذا المعنى .