دل عليه المنذر من المنذر به وهو البعث أي أنبعث إذا متنا فالمعنى حينئذ ذلك الجواب منهم بعيد عما يقتضيه العقل السليم فحينئذ الوقف على ترابا حسن مرضه لبعده إذ كون الرجع بمعنى المرجوع بمعنى الجواب غير متعارف وإن الظاهر كونه من كلام الكفرة كما في نظائره .
قوله تعالى :
[ سورة ق ( 50 ) : آية 4 ]
قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ ( 4 )
قوله : ( ما تأكل من أجسادهم بعد موتهم الأرض من موتاهم ) أي تنقص بمعنى تأكل لحومهم وعظامهم وعن النبي عليه السّلام كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب كذا في الكشاف فالأكل مجاز عن البلاء والفناء ولما كان النقصان عبارة عن البلاء في القبر لا يلزم منه بقاء بعض لحومهم وعظامهم .
قوله : ( وهو رد لاستبعادهم ) بيان ارتباطه بما قبله وأن الجملة مستأنفة مسوقة لرد استبعادهم كما أن الجملة المتقدمة مستأنفة لبيان المتعجب منه على الوجه الثاني وعلى الأول مقول لقوله مقدر بيان لإنكارهم البعث .
قوله : ( بإزاحة ما هو الأصل فيه ) أي بإزالة ما هو الأصل فيه وهو عدم علمه تعالى بالأجزاء المتفرقة فلما بين أنه تعالى عالم بها مع أن القدرة على جمعها متحققة وأن الأجزاء المتفرقة تقبل الجمع كما قبلت أولا ظهر إمكان البعث قال المصنف في سورة وما بينهما من عدم صرف قادر على جميع الأجزاء الموجودة المتفرقة وإعادة الروح إليها وإحيائها وأما الشرع فأدلته على البعث كثيرة كقوله عز وجل :
قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ
[ يس : 79 ] وأمثاله من القرآن والأحاديث النبوية وإذا كان الرجع بمعنى المرجوع لا يكون هود إلا على عامل الظرف فالعامل حينئذ ما دل عليه المنذر من المنذر به وهو البعث فالمعنى انبعث إذا متنا كما قدره الزجاج ثم إن قوله :
ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ
[ ق : 3 ] إن كان من تمام كلامهم لا يجوز الوقف على ترابا وإن كان من كلام اللّه تعالى جوابا عن قولهم جاز الوقف عليه لاختلاف القائلين وفي المرشد الوقف الكافي
وَكُنَّا تُراباً
[ ق : 3 ] والوقف التام
ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ
[ ق : 3 ] قال الزجاج جواب القسم محذوف يدل عليه
أَ إِذا مِتْنا
[ ق : 3 ] المعنى
ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ
[ ق : 1 ]
إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ
[ هود : 7 ] فعجبوا فقالوا :
أَ إِذا مِتْنا
[ ق : 3 ] أي انبعث إذا متنا ويجوز أن يكون الجواب قد علمنا أي لقد علمنا وحذف اللام لأن ما قبلها عوض منها كما قال تعالى :
وَالشَّمْسِ وَضُحاها
[ الشمس : 1 ] إلى قوله :
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها
[ الشمس : 9 ] .
قوله : وهو رد لاستبعادهم بإزاحة ما هو الأصل فيه أي قوله تعالى :
قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ
[ ق : 4 ] رد لاستبعاد الكفرة البعث بإزالة ما هو الأصل في استبعادهم ذلك وهو أن البعث موقوف على العلم بتفاصيل أجزاء أبدان الموتى وإن أي جزء لأي بدن وكيف يمكن أن يعلم ذلك بعد أن كانت الأجزاء متفتتة مختلطة بأجزاء التراب وبأجزاء أبدان أخر بحيث يرتفع الامتياز بينهما فأزاح اللّه تعالى ما هو أصل استبعادهم ومنشؤوه بقوله :
قَدْ عَلِمْنا
[ ق : 4 ] الآية ردا لاستبعادهم ذلك لأن من لطف علمه حتى نفذ ما تنقص الأرض من أجساد الموتى ويأكله من لحومهم وعظامهم كان قادرا على بعثهم ورجعهم أحياء .