إلى الدوام حتى يستفهمهما أي يطلب منهما فهم ما قالاه لعدم تمام السمع قوله يخفضونها فيه تنبيه على أن الغض مجاز في الخفض .
قوله : ( جربها للتقوى ) بيان أصل معنى الامتحان وهو محال في حقه تعالى قد مر التنبيه عليه مرارا فلذا سكت هنا .
قوله : ( ومرّنها عليها ) بيان ما هو المراد منه والتمرين جعله متمرنا وحاصله إنهم قوله : جربها للتقوى ومرنها عليها لما لم يصح إسناد حقيقة الامتحان إلى علام الغيوب حمله على المجاز وفسره على وجوه أربعة الوجوه الثلاثة الأول من قبيل المجاز المرسل من اطلاق اسم السبب على المسبب والوجه الرابع من باب الاستعارة التمثيلية وصاحب الكشاف ثلاث الوجوه حيث قال امتحن اللّه قلوبهم للتقوى من قولك امتحن فلان لأمر كذا وجرب له ودرب للنهوض به فهو مضطلع به غير وإن عنه والمعنى أنهم صبر على التقوى أقوياء على احتمال مشاقها أو وضع الامتحان موضع المعرفة لأن تحقيق الشيء باختباره كما يوضع الخبر موضعها فكأنه قيل عرف اللّه قلوبهم للتقوى وتكون اللام متعلقة بمحذوف وهي مع معمولها منصوبة على الحال أو ضرب اللّه قلوبهم بأنواع المحن والتكاليف الصعبة لأجل التقوى أي لتثبت فيظهر تقواها ويعلم أنهم متقون لأن حقيقة التقوى لا تعلم إلا عند المحن والشدائد والاصطبار عليها وقيل أخلصها للتقوى من قولهم امتحن الذهب وفتنه إذا أذابه فخلص أبريزه من خبثه ونقاه إلى هنا كلامه جعل رحمه اللّه كونه بمعنى المعرفة وكونه بمعنى ضرب القلوب بالمحن متفرعا على كون امتحن موضوعا موضع المعرفة فإن قوله أو ضرب اللّه معطوف على عرف اللّه فإن المستفاد من هذين المعطوفين حصول العلم بتقواهم فهما وجه واحد ذو جهتين عطفت إحدى الجهتين على الأخرى بأو الفاصلة قال الطيبي رحمه اللّه في شرح الوجوه التي ذكرها صاحب الكشاف فسر امتحن اللّه قلوبهم للتقوى على ثلاثة أوجه أحدها أن يكون بمعنى التمرن لأن الامتحان والتجربة يوجب مزاولة الأمر ومعالجته مرة بعد مرة وذلك يوجب التمرن فيه والمتمرن مضطلع فيه فعلى هذا مجاز الآية راجع إلى العباد نحو قوله تعالى :
وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ
[ الصافات : 147 ] وثانيها أنه من اطلاق السبب على المسبب فإن الامتحان سبب المعرفة وهو المراد من قوله لأن تحقق الشيء باختباره وهو لوجهين أحدهما أن اللام في للتقوى صلة محذوف وهو حال من المفعول وهو قلوبهم وثانيهما أن يكون اللام للتعليل والمعنى ضرب اللّه قلوبهم بأنواع المحن والتكاليف الصعبة لأجل التقوى واثبات العلم هنا كاثباته في قوله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم اللّه الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء قال وليعلمهم علما يتعلق به الجزاء ومن ثمة عقبه بقوله :
لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ
[ الحجرات : 3 ] فيكون أو ضرب اللّه عطفا على عرف اللّه وثالثها أن يكون تمثيلا شبه خلوص قلوبهم عن شوائب الكدورات النفسانية بعد طول المجاهدات ومقاسات المكابدات بخلوص الذهب الإبريز الذين عرض على النار ونقي من الخبث والذبد الذي يذهب جفاء قال الواحدي امتحن اللّه قلوبهم فاخلص للتقوى فحذف الإخلاص لدلالة الامتحان عليه ولهذا قال قتادة أخلص اللّه قلوبهم ثم قال الطيبي هذا الوجه أنسب لأن الكلام وارد في مدح أولئك السادة الكرام وفي التعريض بمن ليسوا على وصفهم ومن ثمة قال في حاصلة الآية السابقة
وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ
[ الحجرات : 2 ] واللاحقة
وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ
[ الحجرات : 4 ] .