قوله : ( وقد روي أن ثابت بن قيس رضي اللّه عنه كان في إذنه وقر وكان جهوريا فلما نزلت تخلف عن رسول اللّه عليه السّلام فتفقده ودعاه ) قيس صحابي والحديث ذكره البخاري وغيره وكان جهوريا بفتح الجيم وسكون الهاء وفتح الواو وراء مكسورة بعدها ياء مشددة صيغة مبالغة من الجهر قوله فتفقده أي تفحص وطلب سبب فقده وغيبته .
قوله : ( فقال يا رسول اللّه لقد أنزلت إليك هذه الآية وأتى رجل جهير الصوت فأخاف أن يكون عملي قد حبط فقال عليه السّلام لست هناك إنك تعيش بخير وتموت بخير وإنك من أهل الجنة ) قد حبط أي كفر وكنت من أهل النار ولذا قال عليه السّلام إنك من أهل الجنة لأنك لا تقصد بهما الإهانة ولذا قال عليه السّلام لست هناك أي لست ممن يقصد الإهانة فهذا يدل على أن الرفع والجهر لا يؤديان إلى الكفر الخ ما لم ينضم إليه قصد الإهانة .
قوله : ( إنها محبطة ) قدر ذلك بمعونة المقام يخفضونها .
قوله تعالى :
[ سورة الحجرات ( 49 ) : آية 3 ]
إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ( 3 )
قوله : ( مراعاة للأدب أو مخافة عن مخالفة النهي ) أو لمنع الخلو وهذا هو الأولى بالتقديم وأشار به إلى ارتباطه بما قبله عداه بعن لتضمنه معنى الاحتراز .
قوله : ( قيل كان أبو بكر وعمر رضي اللّه عنهما بعد ذلك كانا يسرانه حتى يستفهمهما ) الضمير له عليه السّلام أي يكلمانه بصوت خفي كالهمس وفي لفظ كانا إشارة الانتصاف الزمخشري رحمه اللّه يعتقد أن الكبائر محبطة للأعمال موجبة للخلود في النار وأخذ من هذه الآية أن رفع الصوت بين يدي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم معصية لا تبلغ الشرك وقد جعلها محبطة وخوف العباد من إحباط الأعمال والجواب عنه أن المراد النهي عن رفع الصوت على الإطلاق والحذر عما يتوقع منه في ايذاء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وايذاؤه كفر محبط للعمل فنهى عن رفع الصوت محذرا فيه عما يؤول إليه ولو كان الأمر على ما يعتقده الزمخشري لم يكن لقوله :
وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ
[ الحجرات : 2 ] معنى إذ الأمر منحصر في أن يكون كفرا محبطا لكونه مؤذيا أو غير مؤذ فيكون محبط في كل حال على رأيه وكلامنا هذا مرتب على مقدمتين الأولى أن رفع الصوت مما يحصل فيه الأذى وهو أمر مشاهد حتى أن الشيخ يتأذى برفع صوت التلميذ فكيف بمرتبة النبوة وما يستحقه صلوات اللّه عليه من الإجلال والتعظيم الثانية أن إيذاء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كفر إلى هنا كلامه وقال الطيبي رحمه اللّه ويمكن أن يقال إن مقام التعريض التوبيخي كما سبق اقتضى المبالغة واستدعى أن يترك أذاهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم برفع الصوت فنزل رفع الصوت منزلة الكفر تغليظا إجلالا لمنزلته صلّى اللّه عليه وسلّم وتفخيما لمجلسه ثم ترتب عليه ما يترتب على الكفر الحقيقي من الاحباط كقوله تعالى :
وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ
[ آل عمران : 97 ] إلى قوله :
وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ
[ آل عمران : 97 ] ومعنى وأنتم لا تشعرون أن ذلك بمنزلة الكفر المحبط وليس كسائر المعاصي .