كالتقدم بين يدي اللّه تعالى فذكره تعالى تمهيد لإفادة هذه النكتة والتجوز باق على حاله كما في الكشاف ولا فرق بين الوجهين إلا في الوجه ذكر اللّه كالتوطئة لما بعده وفي الأول مقصود ولا يعرف وجه ما قاله المحشي فلا استعارة مما بين الجهتين مرضه لأن ذكر اللّه تعالى مقصود كما عرفت من أن حكم اللّه تعالى بالوحي المنزل فيجب علينا عاملين به وحكم الرسول بالوحي الغير المنزل فلا وجه لما قيل والاشعار بأنه من اللّه تعالى بمكان يوجب إجلاله حاصل بالنهي عن مخالفة الرسول بعد النهي عن مخالفته وجعل مخالفته عليه السّلام كمخالفة اللّه تعالى بل هذا أقوى في الاجلال مما ذكره .
قوله : ( في التقديم أو مخالفة الحكم ) ترديد في العبارة إذ المآل واحد لأقوالكم بأفعالكم .
قوله تعالى :
[ سورة الحجرات ( 49 ) : آية 2 ]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ( 2 )
قوله : (
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
[ الحجرات : 1 ] ) تصدير الخطاب بتكرير النداء لمزيد تنبيه المخاطبين على أن ما في حيزه كلفة عظيمة ينبغي الاهتمام بشأنها وأنه مما يغفل عنه أكثر الناس فأكد الخطاب بتأكيدات عديدة ووصفهم بالإيمان للايذان بأن شأنهم الانقياد ففيه تنشيط لهم فهو أبلغ من يا أيها الناس .
قوله : ( أي إذا كلمتموه فلا يجاوزوا أصواتكم عن صوته ) أشار به إلى أن الرفع والفوقية مجاز فيها لأنهما من خواص الأجسام لكنه صار حقيقة عرفية .
قوله : ( ولا تبلغوا به الجهر الدائر بينكم ) نبه به على أن المنهي ليس مطلق الجهر بل الجهر المقيد بقرينة قوله
كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ
[ الحجرات : 2 ] الآية الباء للتعدية أي ولا تبلغوا به أي بالقول .
قوله : ( بل اجعلوا أصواتكم اخفض من صوته ) جعل النهي الثاني أيضا مقيدا بما إذا نطق عليه السّلام ونطقوا حيث قال اخفض من صوته فحينئذ يكون هذا تأكيدا لما قبله ولا ضير فيه لأن التأكيد للاهتمام بشأنه من البلاغة والعطف لا يأباه لأنه ليس تأكيدا محضا بل النهي عن الجهر المشابه بجهر بعضهم بعضا وفيه تنبيه على أنه يجب عليهم عدم المساواة بينه عليه السّلام وبين غيره وفي هذا وأمثاله يحسن العطف وقيل لا تكرار لأن الأول نهى عن أن يكون جهرهم أقوى من جهره كما هو صريح قوله فوق صوت النبي وهذا نهي عن مساواة جهرهم لجهره فإنه المعتاد في مخاطبة الاقران فيه نظر لأن الاقران لا يراعى المساواة على أن النهي عن المساواة يستلزم النهي عن أن يكون جهر أقوى فلزم إما الاستدراك أو التأكيد فالمناسب الحمل على التأكيد مع التنبيه المذكور وكلام المصنف يميل إلى ما ذكرناه وصاحب الكشاف ذهب إلى أن المراد بهذا أنكم إذا كلمتموه وهو عليه السّلام صامت فلا ترفعوا أصواتكم كما يفعل في مخاطبة العظماء وبه حصل التغاير إذ المراد بالأول إذا نطق ونطقتم وهذا جيد لكن لا يلائم قوله
كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ .