تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 105

مساهمون:

ص١٠٥
قوله : ( والمعنى لا تقطعوا أمرا قبل أن يحكما به ) ترجيح للوجه الأول حيث ذكر أمرا على أنه مفعول له أي القطع من غير إذن من له الإذن وإليه أشار بقوله قبل أن يحكما به فالقطع بمعنى الجزم من تلقاء نفسه فالواجب الجزم والقطع بعد أن يحكما به ويأذنا فيه فيكونوا إما عاملين بالوحي وإما مقتدين برسول اللّه عليه السّلام وعليه يدور تفسير ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما وعن مجاهد لا تتفاتؤوا على اللّه شيئا حتى يقصه على لسان رسوله كذا في الكشاف فظهر وجه التعبير بلا تقدموا فإن قطع الحكم من عند نفسه تقديم معنوي أوضح بيان قبحه بتقديم حسي لأنه يجعل المعقول كالمحسوس والمتخيل كالمحقق . قوله : ( وقيل المراد بين يدي رسول اللّه وذكر اللّه تعظيما له واشعار بأنه من اللّه بمكان يوجب اجلاله ) وقيل المراد فهو كقوله :
إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
[ المائدة : 33 ] ونظائره كثيرة وجه البيان على هذا الأسلوب إفادة قوة الاختصاص فإن مساق الكلام لإجلاله لاختصاصه به تعالى فذكر بين يدي اللّه أدخل في النهي إذ التقدم بين يدي الرسول قوله : والمعنى لا تقطعوا أمرا قبل أن يحكما به قال صاحب التيسير أي لا تقدموا قولا ولا فعلا على قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وفعله مما سبيله أن يؤخذ عنه من أمر الدين بل انتظروا حكمه فيه فإن حكمه حكم اللّه لأنه لا يقضي إلا بأمر اللّه . قوله : وقيل المراد بين يدي رسول اللّه وذكر اللّه تعظيم له فيكون العطف من باب سرني زيد ومشاهدته وأعجبني عمرو وكرمه والمراد سرني مشاهدة زيد وأعجبني كرم عمرو وذكر زيد وعمرو للتمهيد والتوطئة لذكر مشاهدة ذاك وكرم هذا فكذلك المراد بين يدي رسول اللّه وذكر اللّه عز وجل تمهيد وتوطئة لذكر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وتعظيم لحرمته وإجلال له قال صاحب الكشاف وفائدة هذا الأسلوب الدلالة على قوة الاختصاص ولما كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من اللّه بالمكان الذي لا يخفى سلك به ذلك المسلك وهذا الأسلوب أبلغ وللمعاني أشمل والتمثيل فيه اظهر لأنه إذا حوفظ مجلسه عليه الصلاة والسّلام من الفتات والسقطات ووقر جانبه من رفع الأصوات كان التقديم بين يدي حكم اللّه أنهى والمحافظة عليه أحرى وأولى ومن ثمة عقبه بقوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ
[ الحجرات : 2 ] وكرر النداء وسموا بالمؤمنين تنبيها على ما غفلوا عنه وأن الإيمان هو الذي يقتضي ذلك وفصل ذلك المجمل أولا بقوله :
لا تَرْفَعُوا
[ الحجرات : 2 ] وثانيا بقوله :
إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ
[ الحجرات : 4 ] وثالثا بقوله :
إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ
[ الحجرات : 6 ] ورابعا بقوله :
وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ
[ الحجرات : 7 ] وعلل كل ذلك بقوله :
لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ
[ الحجرات : 7 ] ثم استطرد بما فيه بيان حسن المعاشرة مع الأصحاب والإخوان واصلاح ذات البين والتنزه عن الفرطات من التنابز والغيبة وغير ذلك ولما فرع من بيان ايجاب التهيب لمجلس رسول اللّه واجلال جانبه وشرح الصحبة مع الإخوان شرع في بيان ما عليهم من محافظة تقوى اللّه تعالى والإيمان والإسلام وأعاد التنبيه وعمم المنادى بقوله :
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى
[ الحجرات : 13 ] إلى آخر السورة .