من الخشية الإفادة أنهم متقون له تعالى فالعالم الذي لا يكون متقيا لا يكون ممن يخشى اللّه تعالى فلا يعد عالما بل ممن أضله اللّه على علمه وختم على سمعه وقلبه .
قوله : ( ولهذا اتبعه ذكر أفعاله الدالة على كمال قدرته ) ولهذا اتبعه الخ فما سبق بيان أفعاله وصفاته وهي القدرة والعلم والإرادة والتكوين والحياة وبهذا علم ارتباطه بما قبله وظهر أيضا أن المراد العلماء الذين يعملون بمقتضى علمهم وعلم غير العاملين نزل منزلة العدم واللّه أعلم .
قوله : ( وتقديم المفعول لأن المقصود حصر الفاعلية ولو اخر انعكس الأمر ) حصر الفاعلية أي حصر الخشية المسند إلى العلماء في المفعول وهو اللّه تعالى لكنه بتأويل وهو مفهوم الكون خاشيا عن اللّه تعالى مقصور على العلماء لا يتجاوز إلى غير العلماء فيكون من قبيل قصر الصفة على الموصوف هذا الحصر مستفاد من تقديم المفعول والقصر المستفاد من إنما قصر خشية اللّه على العلماء والنفي عن غير العلماء وهذا غير الحصر قوله : ولهذا اتبعه ذكر أفعاله الدالة على كمال قدرته أي ولكون الخشية بحسب معرفة المخشي والعلم بصفاته وأفعاله ذكر قوله :
إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
[ فاطر : 28 ] عقيب ذكر أفعاله الدالة على كمال القدرة وهي إنزال الماء من السماء وإخراج الثمرات المختلفة الألوان المشتمل عليها قوله :
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ
[ فاطر : 27 ] إلى هذه الآية وفي الكشاف في وجه اتصال هذا الكلام بما قبله أنه لما قال
أَ لَمْ تَرَ
[ فاطر : 27 ] بمعنى ألم تعلم أن اللّه أنزل من السماء ماء وعدد آيات اللّه وأعلام قدرته وآثار صنعته وما خلق من القطر المختلفة الأجناس وما يستدل به عليه وعلى صفاته اتبع ذلك
إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
[ فاطر : 28 ] كأنه قال إنما يخشى اللّه مثلك ومن على صفتك ممن عرفه حق معرفته وعلمه كنه علمه .
قوله : وتقديم المفعول لأن المقصود حصر الفاعلية ولو أخر انعكس الأمر أي لو أخر فقيل إنما يخشى العلماء من عباد اللّه يفيد حصر المفعولية وينقلب المعنى إلى ما ليس بمراد وذلك إن إنما فرع ما وإلا وفي الأصل الحصر أبدا فيما يلي إلا وفي الفرع الحصر في الجزء الأخير فقوله تعالى :
إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
[ فاطر : 28 ] فرع ما يخشى اللّه من عباده إلا العلماء وهو يقتضي انحصار خشية اللّه على العلماء دون غيرهم وقولك
إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
[ فاطر : 28 ] فرع قولك ما يخشى العلماء من عباده إلا اللّه فيلزم انحصار خشية العلماء على اللّه دون غيره قال الشيخ عبد القاهر رحمه اللّه لما كان الغرض من آية بيان الخاشعين وأنهم هم العلماء لا الإخبار عن المخشي بأنه اللّه دون غيره قدم المفعول وهذا المعنى الآخر وإن كان قد جاء في التنزيل قال تعالى :
وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ
[ الأحزاب : 39 ] لكن ليس هو الغرض ههنا ولا اللفظ بمحتمل له البتة ومن أجاز حملها عليه كان قد أبطل فائدة التقديم وسوى بين الكلامين فإذن يلزم أن يسوى بين قولنا ما ضرب عمرا إلا زيد وما ضرب زيد إلا عمرا وذلك مما لا شبهة في امتناعه إلى هنا كلام الشيخ فقوله لكن ليس هو الغرض هنا معناه إن اقتضاء المقام يوجب بيان الخاشعين والإخبار بأنهم العلماء خاصة دون غيرهم ليكون تعريضا بالمنذرين المصرين على العناد والكفر وأنهم جهلاء باللّه وبصفاته ولذلك لا يخشون اللّه ولا يخافون عقابه ولو قيل ما يخشى العلماء من عباده إلا اللّه لم يكن من التعريض في شيء والمقام يقتضيه .