تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 57

مساهمون:

ص٥٧
التأكيد ولا يجعل المذكور مؤكدا فحذف الموصوف وأقيم الصفة مقامه ثم لما عرض في الصفة إبهام بينت بذكر الموصوف بعدها على أنه بدل أو عطف بيان وكونه بدلا أو عطف بيان للصفة وهي غرابيب لا ينافي كونه مفسرا إذ الصفة عين الموصوف وإن أفادت معنى زائدا عليه كالشدة هنا وبعض ما ذكرنا منقول عن بعض شروح المفصل قوله في الصفة لما كان ما نحن فيه من قبيل التأكيد قال ونظيره في الصفة أي حذف الموصوف وهو الطير وأقيم العائدات مقامه فهي صفة مضمر يفسره ما بعده قال الفاضل السعدي ظاهر المقابلة يوهم أن ما في النظم ليس من باب الصفة وقد ثبت أنه منه فكأن المصنف قصد الإشارة إلى ما بينهما من التفاوت فسمي الصفة المؤكدة تأكيدا والمخصصة صفة لأن الأصل في التوصيف أن يفيد التخصيص انتهى وهذا بناء على ما اختاره من أن المراد بالتأكيد ليس تأكيدا صناعيا ومن اختار كونه تأكيدا اصطلاحيا قال المراد بالصفة الصفة الصريحة . قوله : ( شعر :
والمؤمن العائذات الطير يمسحها
وفي مثله مزيد تأكيد لما فيه من التكرير ) والمؤمن الخ هو من قصيدة النابغة المشهورة وتمامه :
ركبان مكة بين الغيل والسند
والواو للقسم فالمعنى أقسم باللّه المؤمن إذ المؤمن هنا ما هو من الأسماء الحسنى الطير إما جمع طائرا واسم جمع وعن هذا وصفت لجمع أعني العائذات أي الملتجئات إلى حرم مكة زادها اللّه شرفا وأدامها فحرم قتلها وصيدها ويمسحها كناية عن أمتها حتى لا تنفر ولا قوله : إذ شرط الخشية معرفة المخشي أعلم أنه تعالى كما جعل مقطع التمثيل الأول قوله :
إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ
[ فاطر : 18 ]
وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ
[ فاطر : 18 ] جعل مقطع هذين التمثيلين قوله :
إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
[ فاطر : 28 ]
إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ
[ فاطر : 28 ] والمشار إليه بقوله كذلك جميع البيانات الشافية والإنذارات الكافية أي الأمر كما ذكر ولكن إنما ينجع فيمن خشي اللّه بالغيب لقوله :
إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها
[ النازعات : 45 ] فوضع موضعه العلماء تعريضا لجهل الكفرة وجهل من يدعي العلم ولم يخش اللّه تعالى وتنويها برفعة منزلة العلماء العاملين المحقين ثم الآية كالتخلص من ذكر أعداء الدين إلى ذكر الأولياء من المؤمنين التالين كتابه آناء الليل وأطراف النهار المقيمين الصلاة والمنفقين أموالهم سرا وعلانية ومع ذلك يرجون رحمة اللّه ويأملون أن يوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله ولا يوجبون على اللّه سبحانه شيئا بأعمالهم ولا يقطعون بشيء من ذلك وكذلك لا يحكمون على الظالم نفسه والمقتصد بالوعيد وكونهما من أصحاب النار ولهذا فصلت الآية بقوله :
إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ
[ فاطر : 28 ] لأنه كالتعليل للكلام السابق أي أنه سبحانه وتعالى عزيز غالب يفعل ما يشاء في ملكه الأحد فوقه يوجب عليه شيئا فالعمال يعملون ويأملون أن يوفيهم أجورهم والظالم لنفسه يرجو الغفران ولا يقطع بالدمار لأنه تعالى بليغ الغفران والرحمة .