من المؤمنين وهذا غير متعارف بل استعمال القرآن في الكافرين والوجه الثاني هو المناسب للمقام إذ الكلام مسوق لرد ظنهم المذكور .
قوله : ( ويجوز أن يكون تكريرا للإنكار الأول باعتبار وصفين آخرين يمنعان التسوية من الحكيم الرحيم والآية تدل على صحة القول بالحشر فإن التفاضل بينهما إما أن يكون في الدنيا ) باعتبار وصفين هما التقوى وصف المؤمنين والفجور وصف الكافرين يمنعان التسوية كما يمنع الوصفان الأولان ففيه مبالغة قوله من الحكيم لأن مقتضى الحكمة عدم التسوية بأن يجازى المؤمنين أحسن الجزاء والكافرين بسوء الجزاء قوله الرحيم لأن مقتضى الرحمة إنعام من أطاعه وانتقام من عصاه .
قوله : ( والغالب فيها عكس ما يقتضيه الحكمة فيه أو في غيرها وذلك يستدعي أن تكون لهم حال أخرى يجازون فيها ) والغالب فيها أي في الدنيا عكس ما يقتضي الحكمة فيه كما نشاهد أن الكافر متنعم في الدنيا أكثر من تنعم المؤمنين قال الشافعي رحمه اللّه تعالى ومن الدليل على القضاء وحكمته بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق فلا بد من دار أخرى للجزاء حتى جوزي المؤمنون في مقابلة إيمانهم وعملهم قوله عكس ما تقتضيه قوله : ويجوز أن يكون تكريرا للإنكار الأول باعتبار وصفين بأن يكون الحزبان في الإنكار الثاني عين الحزبين في الإنكار الأول ذاتا ويكون تكرير الإنكار راجعا إلى تكرير الوصفين كأنه قيل أم نجعل إيمان قوم كإفسادهم أم نجعل تقواهم كفجورهم والحاصل أن ذوات المتقين وذوات الفجار في الإنكار الثاني إن كانت عين ذوات المؤمنين والمفسدين في الإنكار الأول يكون الإنكار الثاني غير الإنكار الأول لمغايرة محل تسوية المنكر بالإنكار الثاني لمحل المنكر بالإنكار الأول ذاتا وصفة فلا يكون الإنكار الثاني تكريرا للأول وإن كانت عين الأولى كان الثاني تكريرا للأول لاتحاد محلى المنكرين ذاتا لكن إعادة ذلك الإنكار ثانيا وتكريره إنما هو باعتبار الوصفين الآخرين المانعين عن تسوية موصوفيهما .
قوله : يمنعان التسوية من الحكيم الرحيم وإنما اختار هذين الاسمين من أسماء اللّه تعالى لأن نفي التسوية بين جزائي المحسن والمسئ إنما هو مقتضى الحكمة والرحمة فإن مقتضى الحكمة أن لا يجعل جزاء المسئ مثل جزاء المحسن في نيل الثواب وكذا مقتضى الرحمة أن لا يجعل جزاء المحسن كجزاء المسئ في العقاب .
قوله : فإن التفاضل بينهما الخ أي فإن فضل المؤمن على المفسد وفضل المتقي على الفاجر إما أن يكون في الدنيا بأن يكون المؤمن في الروح والراحة والسعة والسرور والمفسد والفاجر في أضداد ذلك ومعلوم أن غالب الأمر في الدنيا عكس ما يقتضي الحكمة من التوسعة على المؤمن المتقي والتضييق على المفسد الفاجر أو يكون في غير الدنيا وهو المتقين لأن خلق السماوات والأرض وما بينهما إلا يخلو عن حكمة وعاقبة حميدة فلما لم يظهر مقتضى الحكمة في حالي المحسن والمسئ في الدنيا فلا بد أن يظهر في غيرها وهو الدار الآخرة لأن الحكمة لا تنفك عن مقتضاها فإذا لم يظهر هنا فلا بد أن يظهر هناك وذلك لا يكون إلا في الحياة الثانية الأخروية الموجبة للحشر والنشر هذا وجه دلالة الآية على صحة القول بالحشر والنشر .
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 399
مساهمون: اسماعيل بن محمد القونوي
ص٣٩٩