قوله تعالى :
[ سورة ص ( 38 ) : آية 10 ]
أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ ( 10 )
قوله : ( ثم رشح ذلك فقال :
أَمْ لَهُمْ
[ ص : 10 ] ) الآية أي قوي ذلك أصل الترشيح التربية ومنه الترشيح للاستعارة .
قوله : ( كأنه لما أنكر عليهم التصرف في نبوته بأن ليس عندهم خزائن رحمته التي لا نهاية لها أردف ذلك بأنه ليس لهم مدخل في أمر هذا العالم الجسماني الذي هو جزء يسير من خزائنه فمن أين لهم أن يتصرفوا فيها ) كأنه لما أنكر عليهم التصرف نبه به على أن الاستفهام للإنكار الوقوعي وإنكار التصرف في نبوته لكونه من جملة المنكر الذي هو كون خزائن رحمته عندهم ولذا قال بأن ليس عندهم الخ فلا ينافي قولهم والمنكر ما يلي الهمزة قوله أردف ذلك الخ بيان للترشيح ولذا قال فمن أين لهم الخ فكأنه دليل على إنكار التصرف في النبوة ببيان عجزهم عن تدبير جزء يسير فهو من قبيل التنبيه بنفي الأدنى عنهم على نفي الأعلى قوله جزء يسير ومن جملته معيشتهم التي هي خويصة أمرهم فإنهم عاجزون عن تدبيرها فضلا عن النبوة التي هي أعلى المراتب فتدبيرها مختص بالعزيز الوهاب ففيه تجهيل وتعجيب من حالهم قوله في العالم الجسماني العلوي والسفلي وذكر السماوات مع بديهة عدم مدخليتهم في أمرها لبيان عدم مدخليتهم في أمر الأرض وأنه مثل أمر السماوات في عدم قدرتهم على تصرف أمر يسير وفي قوله الذي هو جزء يسير الخ إشارة إلى ما ذكرناه فلا إشكال بأن أمر السماوات ممتنع لهم تصرفه فكيف يقال إنه جزء يسير ويؤيد ما ذكرنا وما ذكره المص في تفسير قوله تعالى :
فَلْيَرْتَقُوا
[ ص : 10 ] الآية قوله أن يتصرفوا فيها أي في خزائنه جمع خزينة وهي اسم المكان الذي يخزن أي فيه نفائس الأموال شبه رحمته التي لا نهاية لها إذا تعلقت إرادته بها وجدت بقدرته بالأشياء المخزونة التي لا يحتاج في إخراجها إلى كلفة واجتهاد فهي استعارة مكنية وتخييلية .
قوله : ( جواب شرط محذوف أي إن كان لهم ذلك ) أي التصرف في خزائنه وكلمة الشك للتهكم .
قوله : ( فليصعدوا في المعارج التي يتوصل بها إلى العرش حتى يستووا عليه ويدبروا أمر العالم ) وفيه إشارة إلى أن العرش محل التدابير وإلا فلا دلالة في النظم الجليل عليه إذ الارتقاء في الأسباب يحتمل وجوها شتى وليس في هذا نسبة الاستواء إليه تعالى فلا يرد ما في الانتصاف الاستواء المنسوب إليه تعالى ليس ما يتوصل إليه بالصعود في المعارج وليس قوله : ثم رشح ذلك معنى الترشيح التربية والتقوية من قولهم فلان يرشح للوزارة أي يربي ويؤهل لها وترشح الفصيل إذا قوي على المشي أي ثم قوي نفي تصرفهم في خزائن رحمة اللّه المفهوم من الاستفهام الإنكاري بإرداف دليله الذي هو قوله :
أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ ص : 10 ] فإن الدعوى تتقوى بالدليل لأن الدليل يقوي الدعوى ويلجىء الخصم إلى قبولها ومعنى كونه دليله أن انتفاء التصرف في أمر قليل مما يستدل به على انتفائه في كثير .