ايهاما مفعول له لقولهم بأن اللّه لما كان قادرا هذا مفهوم من قولهم لو يشاء اللّه اطعامه أطعمه فإن ذلك يكون بالقدرة ولم يطعمهم مستفاد من لو الامتناعية والمراد نفي الإطعام على سبيل التوسعة دون مطلقا قوله فنحن أحق بذلك أي بعدم الاطعام لأنا عاجزون وهو تعالى قادر على كل شيء فإذا لم يطعمهم فنحن أحرى بعدم اطعامهم وهذا مآل الاستفهام الإنكاري وتعبيرهم بالمضارع ليدل على استمراره فيما مضى وقتا فوقتا مرضه لأن الوجه الأول مأثور وإلا فالملائم لما سبق الوجه الثاني إذ الكلام فيه في منكري البعث وهم مشركو قريش ولم يذكر فيما سبق تلك الزنادقة فإرجاع ضمير لهم إياهم يحتاج إلى التمحل إلا أن يقال إن الضمائر المذكورة راجعة إلى مطلق منكري البعث سواء كانوا معطلة أو لا .
قوله : ( وهذا من فرط جهالتهم فإن اللّه تعالى يطعم بأسباب منها ) وهذا من فرط جهالتهم أي من فرط عنادهم وغاية تعصبهم فإن ذلك سفه وتجاهل ولذلك قيل من عصى اللّه فهو جاهل .
قوله : ( حث الأغنياء على اطعام الفقراء وتوفيقهم له ) وفيه إشارة إلى أن الكفار مكلفون بالفروع وهو مذهب الشافعي والعراقيين من أصحابنا الحنفية ولذا لم يقيد بالإسلام في الأغنياء والفقراء وما يستفاد من كلامه أن غرضهم الامتناع عن الاطعام لا الرد على المؤمنين وقال الإمام غرضهم الرد على المؤمنين دون الامتناع عن الاطعام لأنه مما يفتخرون به ولا يخفى بعده عن الكلام وعن المرام وافتخارهم الاطعام على أمثالهم دون مخالفيهم إذ التجاسر شرط في التضام كما يشهد به الاستقراء .
فالمخلوق أولى وأحق بأن لا يشاء أن يطعم من لا يشاء الخالق إطعامه وجدت في أكثر النسخ هكذا إيهاما بأن اللّه لما كان قادرا أن يطعمهم فنحن أحق بذلك في الإطعام وهذا تركيب ركيك وفي بعض النسخ إيهاما بأن اللّه لما كان قادرا أن يطعمهم ولم يطعمهم فنحن أحق بذلك في الإطعام وهذا أقرب إلى التصحيح من الأول ولعل كلا منهما منحرف من أصل النسخة وظن أن أصل النسخة هكذا إيهاما بأن اللّه كان قادرا أن يطعمهم ولا يشاؤه فنحن أحق بذلك في الإطعام لأن حينئذ يكون معنى الإشارة في قوله أحق بذلك ظاهرا أي فنحن أحق بعدم المشيئة في الإطعام أي أحق بأن لا نشاء إطعام من لا يشاء اللّه إطعامه وهذا يوافق ما في الكشاف حيث قيل كانوا يوهمون أن اللّه تعالى لما كان قادرا على إطعامه ولا يشاء إطعامه فنحن أحق بذلك وما في المعالم قال محيي السنة فيه في تفسير أنطعم من لو يشاء اللّه أطعمه وذلك أن المؤمنين قالوا لكفار مكة أنفقوا على المساكين ما زعمتم من أموالكم أنه للّه وهو ما جعلوه للّه من حروثهم وإنعامهم قالوا أنطعم أنرزق من لو يشاء اللّه رزقه ثم لم يرزقه مع قدرته عليه فنحن نوافق مشيئة اللّه فلا نطعم من لم يطعمه اللّه وهذا مما يتمسك به البخلاء يقولون لا نعطي من حرمه اللّه وهذا الذي يزعمون باطل لأن اللّه تعالى أغنى بعض الخلق وأفقر بعضهم باطل لأن اللّه تعالى أغني بعض الخلق وأفقر بعضهم ابتلاء فمنع الدنيا من الفقير لا بخلا وأمر الغني بالإنفاق لا حاجة إلى ماله ولكن ليبلو الغني بالفقير فيما فرض له في مال الغني ولا اعتراض لأحد على مشيئة اللّه عز وجل وحكمه في خلقه إلى هنا كلامه .
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 156
مساهمون: اسماعيل بن محمد القونوي
ص١٥٦