تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
ضمير المتكلم لا يناسب الأدب وأما الإشكال بأن المعنى حينئذ تعلق إرادتنا بتبديل اللّه تعالى خيرا منهما وذلك ترتيب تبديل اللّه تعالى على إرادة نفسه وفيه من سوء الأدب ما لا يخفى فساقط لأن إرادة العبد فعل اللّه تعالى بمعنى القصد والطلب لا بمعنى ترجيح أحد المقدورين على الآخر وكذا إرادة شخص بفعل آخر معناها القصد والطلب والمحبة وقد يستعمل في إرادة فعل نفسه بمعنى القصد والميل في مثل أردت فعل كذا أي قصدته فلم يوجد لأن الإرادة بمعنى ترجيح أحد المقدورين مع الفعل مقارنة له عند أهل السنة كما صرح به في شرح المواقف فهي لا تنفك عن الفعل وإن لم توجبه وهي بهذا المعنى مختصة بفعل نفسه لا تتعلق بفعل غيره والغلط إنما نشأ من اشتراك اللفظ وأما الجمع المذكور فالحق أنه لا كراهة في كلام اللّه ورسوله كما أشير إليه في شرح البخاري وأما في حق البشر فقيل لا كراهة فيه أصلا وقيل فيه كراهة تنزيه مطلقا أو في بعض المواضع الأول مثل قوله عليه السّلام في حديث الإيمان : « أن يكون اللّه ورسوله أحب إليه مما سواهما » وقد اختلف المفسرون في قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ
[ الأحزاب : 56 ] هل ضمير يصلون للّه وملائكته أم لا فعلم وقوع جمع اللّه ورسوله وملائكته في كلام اللّه تعالى ورسوله وأما قوله عليه السّلام لخطيب « 1 » قال في خطبته بعد ذكر اللّه ورسوله : « ومن يعصهما فقد غوى بئس خطيب القوم أنت » فقال الخطابي كره منه ما فيه من التسوية أي في الضمير مع التسوية في العطف والكراهة تنزيهية لا تحريمية في نفسه شر وإن تضمن مصلحة ولذا قيده بقوله في نفسه شر فلا يليق تصريح إسناده إليه تعالى والثالث خير فإفراد إسناده إليه تعالى والثاني ممتزج خيره تبديل خيرا من المقتول وشره القتل فأسند الإرادة إلى اللّه تعالى لتضمنه خيرا وإلى نفسه لتضمنه شرا . قوله : ( أو الاختلاف حال العارف في الالتفات إلى الوسائط ) قالوا إن العارف يرى لنفسه في الأول الأمر تأثيرا واختيارا ثم يرى لنفسه أثرا مستندا إلى المؤثر الحقيقي ثم يرى قوله : أو لاختلاف حال العارف في الالتفات إلى الوسائط حيث يلتفت أولا الطلب معرفة الرب إلى الدلائل المنصوبة في نفسه لينتقل ذهنه منها إلى الرب الخالق
سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ
[ فصلت : 53 ] ومن عرف نفسه فقد عرف ربه ثم يترقى نظره ملاحظا نفسه وربه ملاحظة مترددة بين نفسه وربه ثم ينخلع عن ملاحظة نفسه وينجذب بشراشره إلى جناب القدس مضمحلا أنانيته مستغرقا في المشاهدة بحيث ينسى كل شيء سواه وهذا هو مقام الفناء قال ابن الفارض :
ولو خطرت لي في سواك إرادة * على خاطري سهوا قضيت بردتي
هامش
( 1 ) إن ثابت بن قيس بن شماس وكان خطيب النبي عليه السّلام لأنه كان يخطب في مجلسه إذا وردت وفود العرب وهذه الخطبة خطبها عنده لما قدم وفد تميم وقام خطيبهم مذكر مفاخرهم ومآثرهم فلما أتم خطبته قام ثابت خطب خطبة قال فيها من يطع اللّه عز وجل ورسوله صلّى اللّه تعالى عليه وسلم فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى فقال له النبي عليه السّلام : « بئس خطيب القوم أنت » فقال الخطابي .
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 153 | اسماعيل بن محمد القونوي / عبد الله محمود محمد عمر