قوله تعالى :
[ سورة الحجر ( 15 ) : آية 45 ]
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 45 )
قوله : ( من اتباعه في الكفر والفواحش فإن غيرها مكفرة ) من اتباعه وانقياده في الكفر الخ أراد به الإشارة إلى ارتباطها إلى ما قبلها وأن المراد بالاتقاء هنا معناه اللغوي واتباعه مصدر لا جمع فإن غيرها أي غير الكفر والفواحش وغيرها صغائر فإنها مكفرة باجتناب الكبائر وإنما لم يحمل على المتقين عن الكفر فقط إذ أحوال عصاة المسلمين مسكوت عنها في أكثر المواضع أو معلومة مما سبق على ما أشار إليه المصنف بقوله فأعلاها للموحدين العصاة فحمله على المرتبة الوسطى من التقوى فالمقصود أن المتقين يدخلون في جنات دخولا أوليا بلا سبق عقاب وحجاب ويلزم منه أن العصاة لا يدخلون فيها بلا عذاب ولا ضير فيه وقد صرح المصنف بذلك في تفسير قوله تعالى :
أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
[ الأعراف : 157 ] فلا اشكال وأما كون العصاة من أهل النار فلا يضرنا لأن خروجهم منها ودخولهم في الجنة ثابت بدليل آخر بين مفصلا في علم الكلام قيل هذا الكلام يخالف لما ذكر في الكتب الكلامية من تجويز العقاب على الصغائر إذا اجتنب الكبائر انتهى وهذا الكلام أيضا يخالف لما ذكر فيها من عفو الكبائر بلطفه تعالى أو بالشفاعة الكبرى وأجيب عن الأول بأن كلام أهل الكلام في تجويزه تجويز عقاب المطيع وما في الحديث من أن الصلوات الخمس مكفرات لما بينهن ونحوه يدل على التفضل من اللّه تعالى ليس إلا بعفوه اتنهى فحينئذ يكون النزاع لفظيا إذ الخصم قائل بالجواز غايته أن المعتزلة ذهبوا إلى أن التعذيب على الصغائر لا يجوز أن يقع لا بمعنى أنه يمتنع عقلا والجواب المذكور حاصله راجع إلى ما ذكر المعتزلة وفي شرح العقائد ولقوله تعالى :
لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها
[ الكهف : 49 ] الآية والاحصاء إنما يكون للسؤال قوله : من اتباعه أي أن المتقين المحترزين من اتباع الشيطان في الكفر والفواحش خصص المتقي منه بالكفر والفواحش المراد بهما الكبائر لأن غيرهما وهو الصغائر مكفرة بالاجتناب عن الكبائر هذا تفسير للتقوى على مذهب أهل السنة والجماعة والمعتزلة فسروها بالاجتناب عن جميع المعاصي كلها حتى أن من أتى بمعصية واحدة من المعاصي واجتنب عما سواها لا يسمى عندهم باسم المتقي قال الإمام قال جمهور المعتزلة المتقون هم الذين اتقوا جميع المعاصي لأنه اسم مدح فلا يتناول إلا من يكون كذلك وقال جمهور الصحابة والتابعين وهو المنقول عن ابن عباس رضي اللّه عنهما المتقون هم الذين اتقوا عن الشرك باللّه والكفر به وهذا هو الحق الصحيح لأن المتقي هو الذي أتى بالتقوى مرة واحدة كما أن الضارب هو الذي أتى بالضرب مرة واحدة وكما أنه ليس من شرط صدق الوصف بكونه ضاربا كونه آتيا بجميع أنواع الضرب فكذا ههنا ومن ثمة ذهب المحققون إلى أن ظاهر الأمر لا يفيد التكرار فظاهر الآية يقتضي حصول الجنات لكل من اتقى عن شيء إلا أن الأمة مجتمعة على أن التقوى عن الكفر شرط في حصول هذا الحكم ولأن الآية وردت عقيب قوله :
إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ
[ الحجر : 40 ] فوجب أن يعتبر الإيمان فيه ولا يزاد فيه قيد آخر لأن التخصيص خلاف الظاهر وكلما كان التخصيص أقل كان أوفق أي أوفق لاطلاق المتقي كما ذكر في الآية مطلقا عن القيود .