تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
والغفران خصوصا لأهل الكتاب من أهل العدوان وبه يظهر وجه الارتباط إلى ما قبله لذوي العرفان أن يشرك المراد بالشرك مطلق الكفر على خلود عذابه أي دوامه . قوله : ( لأنه بت الحكم على خلود عذابه أو لأن ذنبه لا ينمحي عنه أثره فلا يستعد للعفو بخلاف غيره ) وهو الشرك قوله فلا يستعد للعفو إن أريد عدم الاستعداد لذاته فظاهره ينافي ما سيأتي في أواخر سورة المائدة من عدم غفران الشرك مقتضى الوعيد فلا امتناع فيه لذاته وإن أريد عدمه بناء على بت الحكم وقطعه على دوام عذابه وحكمه لا يتغير فهو راجع إلى الأول . قوله : ( أي ما دون الشرك صغيرا كان أو كبيرا ) أي الإشارة إلى المفهوم ضمنا كبيرا فيه استدراك على الكشاف . قوله : ( تفضلا عليه وإحسانا ) أي لمن يشاء معلق بالأخير بالفعلين أي لا يغفر ويغفر . قوله : ( وعلقه المعتزلة بالفعلين على معنى أن اللّه لا يغفر الشرك لمن يشاء وهو من قوله : لأنه بت الحكم على خلود عذابه علل انتفاء تعلق الغفران بالمشرك بعلتين الأولى استدلال باللازم على ثبوت الملزوم والثانية على العكس قال الإمام في اتصال هذه الآية بما قبلها أنه تعالى لما هدد اليهود على الكفر وبين أن ذلك التهديد لا بد من وقوعه لا محالة بين أن مثل هذا التهديد من خواص الكفر فأما سائر الذنوب التي هي مغايرة للكفر فليس حالها كذلك بل هو سبحانه قد يغفرها ويعفو عنها فلا جرم قال :
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ
[ النساء : 48 ] . قوله :
لِمَنْ يَشاءُ
[ النساء : 48 ] تفضلا عليه فإذا كان قيد التفضل معتبرا في غفران ما دون الشرك فلا بد أن يعتبر في نفي غفران الشرك حتى يرد النفي والاثبات على محل واحد فيكون المعنى إن اللّه لا يغفر أن يشرك به تفضلا قال الإمام هذه الآية من أقوى الدلائل لنا على العفو عن أصحاب الكبائر ثم قال اعلم أن الاستدلال بها من وجوه الوجه الأول أن قوله :
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ
[ النساء : 48 ] معناه لا يغفر الشرك على سبيل التفضل لأن بالإجماع يغفره على سبيل الوجوب وذلك عندما يتوب المشرك عن شركه فإذا كان قوله :
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ
هو أنه لا يغفره على سبيل التفضل وجب أن يكون قوله :
وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ
[ النساء : 48 ] الشرك هو أنه يغفره على سبيل التفضل حتى يكون النفي والإثبات متواردين على معنى واحد ألا يرى أنه لو قال فلان لا يعطى أحدا تفضلا ويعطي زيدا فإنه يفهم منه يعطيه تفضلا حتى لو صرح فقال لا يعطي أحدا شيئا على سبيل التفضل ويعطي زيدا على سبيل الوجوب فكل أحد يحكم بركاكة هذا الكلام فثبت أن قوله :
وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ
[ النساء : 48 ] على سبيل التفضل إذا ثبت هذا فنقول وجب أن يكون المراد منه أصحاب الكبائر قبل التوبة لأن عند المعتزلة غفران الصغيرة وغفران الكبيرة بعد التوبة واجب عقلا فلا يمكن حمل الآية عليه وإذا تعذر ذلك لم يبق إلا حمل الآية على غفران الكبيرة قبل التوبة وهو المطلوب الثاني أنه تعالى قسم المنهيات على قسمين الشرك وما سوى الشرك ثم ما سوى الشرك يدخل فيه الكبيرة قبل التوبة والكبيرة بعد التوبة والصغيرة ثم حكم على الشرك بأنه غير مغفور قطعا وعلى ما سوى الشرك بأنه