تأكيد ) الخطاب للرسول عليه السّلام لكن المراد أمته أو تثبيته على ما كان عليه أو الخطاب لكل من يصلح له وإنما لم يتعرض له لظهوره ولانفهامه من قوله ومن ضم الباء فيهما جعل الخطاب له وللمؤمنين لكن يلزم حينئذ الجمع بين الحقيقة والمجاز فالأولى كون الخطاب للمؤمنين حينئذ بل في الأول أيضا كما عرفته قوله :
فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ
[ آل عمران : 188 ] تأكيد أي تأكيد للفعل وفاعله ولا ينافيه كون الثاني مصدرة بالفاء لأنها للإشعار بأن أفعالهم السابقة أسباب العدم الحسبان ولم يذكر تلك الأفعال فيما قبل لا تحسبن الأول .
قوله : ( والمعنى لا تحسبن الذين يفرحون بما فعلوا من التدليس وكتم الحق ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا من الوفاء بالميثاق وإظهار الحق والإخبار بالصدق بمفازة منجاة من العذاب ) والمعنى لا تحسبن الذين يفرحون على الاستمرار بما فعلوا إذ قد يستعمل أتى بمعنى فعل كما في الكشاف حيث قال ومعنى بما أتوا بما فعلوا وأتى وجاء يستعملان بمعنى فعل قال اللّه تعالى :
إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا
[ مريم : 61 ]
لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا
[ مريم : 27 ] والظاهر أنه حقيقة أو مجاز لأن الإتيان والمجيئة نوع من مطلق الفعل فذكر المقيد وأريد المطلق ثم أريد بالمطلق المقيد الآخر إما مجازا أو لكونه من أفراده قوله من التدليس أي من التلبيس المستفاد من قوله تعالى :
وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ
[ آل عمران : 185 ] وكتمان الحق المنفهم من قوله تعالى :
فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ
[ آل عمران : 187 ] ومع ذلك يحبون أن يحمدوا حكاية الحال الماضية قوله بما لم يفعلوا هذا قرينة لكون بما أتوا بمعنى ما فعلوا .
قوله : ( أي فائزين بالنجاة منه ) بيان الحاصل إذ بمفازة ظرف مستقر أي متلبسين بنجاة منه على أن المفازة مصدر ميمي « 1 » ولا مساغ إلى جعلها اسم مكان إلا إذا جعل من العذاب صفة لها مع تعلق الجار بفعل خاص فإن اسم المكان لا يعمل والمعنى أي بمحل فوز ونجاة منجئة من العذاب لكن الظاهر من كلام المص هو الأول .
قوله : ( وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالياء وفتح الباء في الأول وضمها في الثاني على أن الذين فاعل ومفعولا لا يحسبن محذوفان يدل عليهما مفعولا مؤكده فكأنه قيل ولا يحسبن الذين بمفازة أو المفعول الأول محذوف وقوله فلا تحسبنهم تأكيد للفعل وفاعله مفعوله بأن الذي جرى متصل بالأول وتأكيدا فتقول لا تظنن زيدا إذا جاءك وكلمك بكذا فلا تظننه صادقا فتعيد فلا تظننه توكيدا وتوضيحا .
قوله : ومفعولا تحسبن محذوفان يدل عليهما مفعولا مؤكده جاز حذف مفعولي أفعال القلوب جميعا كقولهم من يسمع يخل أي يخل المسموع صحيحا والممتنع عند جمهور النحاة حذف أحدهما والاقتصار على الآخر .
قوله : أو المفعول الأول محذوف عطف على قوله ومفعولاه محذوفان أي أو المفعول الأول
هامش
( 1 ) وتاء مفازة ليست للوحدة لبناء المصدر عليه .