قوله : ( وقيل إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك ) وهذا الاحتمال يؤيد مذهبنا ولا يدل على فرضية العمرة مع هذا الاحتمال الدويرة تصغير دار للتلطف لا للتحقير كقوله يا بني وهذا إنما يصح إذا أمكن المسير من الدار في أشهر الحج لقوله تعالى :
الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ
[ البقرة : 197 ] فوقت الإحرام أشهر الحج فصحة الإحرام من دويرة أهله ثابت في حق هذا الشخص وأما في حق غيره ممن بعد عن مكة لا يمكن قطع مسافة من غرة شوال إلى عشر ذي الحجة فلا يصح الإحرام من دويرة أهله كما بين في محله ولذا زيفه لأن الأمر في قوله تعالى :
وَأَتِمُّوا
عام والتخصيص المذكور خلاف الظاهر .
قوله : ( أو إن تفرد لكل منهما سفرا أو أن تجرده لهما لا تشوبهما بغرض دنيوي أو أن يكون النفقة حلالا ) أي وقيل إن تفرد لكل من الحج والعمرة سفرا وهذا معنى الإتمام لأن أفضل الأعمال أحمزها . وقيل معنى وأتموا أن تجرده لهما الخ لأن الإخلاص الذي مخ الأعمال لا يتحقق إلا بعدم شوبهما بغرض دنيوي وقيل معنى وأتموا الخ أن تكون النفقة التي تصرف في طريق الحج والعمرة حلالا خالصا لا يشوبها شبهة فضلا عن حرام لأن الذي أدى بمال خبيث لا يزن عند اللّه جناح بعوضة .
قوله : ( منعتم يقال حصره العدو وأحصره إذا حبسه ومنعه عن المضي مثل صده قوله : وقيل إتمامهما ما تضمنه عطف على قوله ائتوا بهما تامين مستجمعي المناسك لوجه اللّه فإنه أفاد أن إتمامهما استجماع المناسك لوجه اللّه ثم الحج ينعقد بأن يحرم من الميقات وأما إن أحرم من داره كما إذا أحرم الكوفي من كوفة فهو متمم الحج لكن إنما يصح ذلك لو أمكن المسير من داره في أشهر الحج لقوله
الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ
[ البقرة : 197 ] فإن من بعد داره قد لا يمكنه أن يحرم منها لأن أول الشهر شوال وربما يحتاج إلى الإحرام في رمضان .
قوله : أو إن تفرد لكل منهما سفرا أي أو إتمامهما أن يسافر لكل واحد منهما سفرا على حدة لا أن يجمعهما في سفر واحد .
قوله : أو أن تجرده أي تجرد السفر لهما خالصا عن شوائب أغراض دنيوية فإن سافر لهما مع غرض آخر دنيوي لم يكن متمما لهما هذا ما قالوا في تمام الحج والعمرة وعن بعض الصالحين أنه حج فلما قضى نسكه قال لصاحبه هلم نتم حجنا ألم تسمع قول ذي الرمة :
تمام الحج أن تقف المطايا * على خرقاء واضعة اللثام
وخرقاء اسم حبيبة الشاعر واضعة اللثام أي مكشوفة الوجه مسفرة وحقيقة ما قال هو أنه كما قطع البوادي حتى وصل إلى بيته وحرمه ينبغي أن يقطع أهواء النفس ويخرق حجب القلب حتى يصل إلى مقام المشاهدة ويبصر آثار كرمه بعد الرجوع عن حرمه وقال بعضهم من يمشي إلى بيت شخص ينبغي أن يكون مشيه إليه ليراه فلو لم يره لكانت حركته إليه بلا طائل كذلك من سافر إلى بيت اللّه ينبغي أن يكون سفره ليراه فلو لم يره كان سفره عبثا وقال ابن الفارض المصري أطاب اللّه رمسه :
وسعيي لها حج به كل وقفة * على بابها قد عادلت كل وقفة