تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 77

مساهمون:

ص٧٧
( الحكم ) جزاء الشرط إذ لا يحسن أن يظلم أي أن يجاز إلا من ظلم والمنتهون ليسوا بظالمين فوضع العلة وهي لا عدوان إلا على الظالمين موضع الحكم أي موضع الجزاء والتعبير بالحكم إشارة إلى أن الحكم في الجزاء كما هو مسلك السكاكي ومن تبعه وعند الجمهور الحكم بين الشرط والجزاء والأول مختار الشافعي والثاني مختار الحنفية وللفاضل الشريف قدس سره بحث لطيف في حاشية المطول في تحقيق هذا المرام وإيضاح المقام قوله : ( إذ لا يحسن ) الخ معنى لا عدوان للإشارة إلى أن نفي العدوان يراد به نفي حسن العدوان وجوازه لا نفيه في الواقع إذ العدوان وهو الظلم واقع على غير الظالمين لكن النفي أوقع على ظلما للمشاكلة كقوله
فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ
[ البقرة : 194 ] أو أريد أنكم إن تعرضتم لهم بعد الانتهاء كنتم ظالمين فيسلط عليكم من يعدو عليكم لما كان هذه الجملة الاسمية وهي قوله عز وجل من قائل
فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ
[ البقرة : 193 ] وقعت موقع جزاء الشرط الذي هو قوله تعالى :
فَإِنِ انْتَهَوْا
[ البقرة : 192 ] لا يمكن أن يكون جزاء لأن الشرط لابد أن يكون سببا للجزاء وإثبات العدوان على سبيل الحصر على الظالمين ليس مسببا عن انتهاء المشركين عن الشرك وجه هذه الجملة الواقعة في معرض الجزاء بثلاثة أوجه ليظهر معنى السببية المستفادة من هذه الشرطية الوجه الأول أن قوله عز وجل :
فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ
[ البقرة : 193 ] مشتمل على نفي وهو لا عدوان على غير الظالمين وإيجاب وهو العدوان على الظالمين والمراد مجرد النفي أي لا عدوان على غير الظالمين فيكون مجازا لكن غير الظالمين كناية عن المنتهين عن الشرك لأن الانتهاء عن الشرك ملزوم للانتهاء عن الظلم وقد كنى عن الملزوم الذي هو المنتهون عن الشرك باللازم الذي هو غير الظالمين فالمعنى لا قتل مع المنتهين وهو خبر مستعمل في معنى الإنشاء أي فلا تقاتلوا المنتهين أي فلا تقاتلوهم وضع الظاهر موضع المضمر فهذا الجواب إنما يتم بارتكاب مجازين وكنايتين المجاز الأول أنه من باب ذكر الكل وإرادة الجزء فإن قوله :
فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ
[ البقرة : 193 ] لكونه موردا على طريق القصر والتخصيص يشتمل على حكمين إيجابي وسلبي فذكر المجموع وأريد به الحكم السلبي والمجاز الثاني أنه ذكر الخبر وهو فلا عدوان إلا على الظالمين وأريد به الإنشاء لأن المراد به فلا تعدوا إلا على الظالمين وأما الكناية الأولى فهو قوله :
إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ
[ البقرة : 193 ] فإن المراد به فلا عدوان على المنتهين عن الشرك لأن معناه لا عدوان على غير الظالمين وغير الظالمين لازم للمنتهين عن الشرك فذكر اللازم وأريد الملزوم وهو معنى الكناية وأما الكناية الثانية ففي قوله :
تَعْدُوا
[ البقرة : 154 ] المدلول عليه بلا عدوان والمراد بلا تعدوا لا تقاتلوا ذكر اللازم الذي هو العدوان وأريد به القتال ففسر أولا بقوله فلا تعتدوا على المنتهين لكن المراد فلا تقاتلوا المنتهين وبينه بقوله لأن مقاتلة المنتهين عدوان فهو تعليل محذوف وقوله
إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ
[ البقرة : 193 ] في موضع على المنتهين لأنه في قوة على غير الظالمين وغير الظالمين كناية عن المنتهين فاصل الكلام فلا تقاتلوهم ثم فلا تقاتلوا المنتهين ثم فلا تعدوا على المنتهين ثم لا عدوان على غير الظالمين ثم لا عدوان إلا على الظالمين ولما كان في هذا الوجه من التكلفات ما ترى تركه المصنف واختار الأخيرين والوجه الثاني أن المراد بقوله :
فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ
[ البقرة : 193 ] النفي والإثبات معا لا النفي المجرد كما في الوجه الأول أي فلا تظلموا المنتهين وأظلموا الظالمين وأشار إليه بقوله :
فَلا تَظْلِمُوا
إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ
لأن قوله :
فَلا
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 77 | اسماعيل بن محمد القونوي / عبد الله محمود محمد عمر