يقتلوا بعضكم كقولهم قتلتنا بنو أسد ) وظاهر حتى يقتلوكم حتى يقتلوكم جميعا فلا معنى حينئذ فإن قتلوكم جميعا فاقتلوهم احتيج إلى التأويل فقال والمعنى حتى يقتلوا بعضكم فيحسن معنى قوله :
فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ
كقولهم قتلتنا « 1 » بنو أسد والمقتول واحد منهم أو أكثر منه لا جميعهم إذ لا يتأتى الإخبار حينئذ بأن قتلتنا بنو أسد وكذا في الآية الكريمة إذ لا يصح أن يقال فإن قتل الكفار إياكم جميعا أيها المؤمنون فاقتلوهم ولما كان القرينة قائمة كنار على علم حمل الكلام على المجاز العقلي فأوقع الفعل الواقع على بعض على الجميع مجازا كما أسند الفعل الصادر من البعض إلى الكل في مثل قتل بنو فلان وقد ثبت في موضعه أن المجاز العقلي يكون في المفعول كما في الفاعل فعلم منه أن ضمير المخاطبين عام للجميع وكذا ضمير الغائبين فمن قال إن المراد بضمير المخاطبين البعض أراد به حاصل المعنى ولو قيل إن مراده البعض بتقدير المضاف لا يبعد لكن يفوت المبالغة إذ المجاز العقلي أبلغ قيل ولا تقتلوهم جار على حقيقته لأن المعنى على السلب الكلي أي لا يقتل واحد منكم واحدا منهم حتى يقع منهم قتل بعضكم فالمراد بضمير المخاطبين وضمير الغائبين الكل والمراد بضمير المخاطبين في حتى يقتلوكم فإن قتلوكم البعض وبضمير الغائبين فيهما الكل ويصح إرادة البعض أيضا لاستقامة المعنى فيهما والمراد بضمير المخاطبين في قوله :
فَاقْتُلُوهُمْ
[ البقرة : 191 ] البعض وبضمير الغائبين إما الكل أو البعض بقي هنا كلام وهو أن هذه القراءة تقتضي أن المسلمين لا يسوغ لهم أن يقاتلوا ويجاهدوا الكفار حتى يصدر منهم قتل بعض المؤمنين ومقتضى القراءة الأولى جواز المقاتلة معهم بمجرد مفاتحة القتال وإن لم يقع منهم قتل واحد من المسلمين والتوفيق إما أن يراد بقتل بعض المؤمنين تمكين قتل بعضهم لا قتله بالفعل أو يراد بفتح القتال فتحه مقارنا مع قتل بعضهم الفعل وهذا بعيد والأول احتمال سديد والقراءة الأولى محمولة على ظاهرها لأن المعنى لا تفاتحوهم بالقتال حتى يفاتحوكم بالقتال والمفاتحة لا تكون إلا بشروع البعض بقتال البعض أو المراد الجهاد فإرادة جهاد الكل مع الكل لا ريب في جوازه ولهذا سكت المص عن تأويلها .
قوله : ( مثل ذلك جزاؤهم يفعل بهم مثل ما فعلوا ) إشارة إلى أن الكاف اسم بمعنى المثل مبتدأ خبره جزاؤهم قوله : ( يفعل بهم مثل ما فعلوا ) جزاء وفاقا لكفرهم ولذلك أظهر في موضع المضمر هذا إن حمل اللام على العهد وإن حمل على الجنس فليس من باب وضع المظهر موضع المضمر فح يدخل الكافرون الذين هتكوا حرمة الحرم وشرعوا القتال ثمة دخولا أوليا .
قوله : حتى لا تكون فتنة أي شرك حمل الفتنة هنا على الشرك بقرينة قوله عز وجل :
وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ
[ البقرة : 193 ] فإن الدين هنا بمعنى التوحيد فبين لا يكون فتنة ويكون الدين تقابل الإيجاب والسلب وتقابل التضاد والمتقابلان هما اللاكون والكون والتشريك والتوحيد .
هامش
( 1 ) إذ المخبر المتكلم حي فأخبر بأن بني أسد قتلت بعضنا .