تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 70

مساهمون:

ص٧٠
من ناصبه الشيء أظهر له وأبرزه كما في القاموس قيل فالآية على هذا القول مخصص بقوله تعالى :
فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ
مخرجا لمن لم يتوقع منهم القتال ولا يخفى أنه لا يصح على إطلاقه لأن المخصص عندنا يكون موصولا لا مفصولا متراخيا والظاهر أن آية اقتلوا المشركين متأخر نزولها ولهذا حكم أنها ناسخة لمفهوم هذه الآية على الوجه الأول كما مر فالأولى السكوت عنه وسيجيء إن شاء اللّه تعالى بيان تخصيصها ومخصصها والرهبانية رهبان جمع راهب وهم علماء النصارى . قوله : ( دون غيرهم من المشايخ والصبيان والرهبان والنساء ) مستفاد من مفهوم الصفة وهو مذهب المص وعندنا مستفاد بطريق العدم الأصلي . قوله : ( أو الكفرة كلهم فإنهم بصدد قتال المسلمين وعلى قصده ) فيكون قوله
الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ
[ البقرة : 190 ] بيان للواقع فلا مفهوم أصلا إذ فيه فائدة أخرى سوى المفهوم وهي أن الكفرة برمتهم بصدد قتال المسلمين لشدة عداوتهم وفرط بغضهم فعلى هذا يكون كقوله تعالى :
وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً
عاما خص منه البعض وهو من لم يتوقع منهم القتال بالحديث الشريف . قوله : ( ويؤيد الأول ما روي أن المشركين صدوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عام الحديبية وصالحوه على أن يرجع من قابل فيخلوا له مكة ثلاثة أيام فرجع لعمرة القضاء وخاف المسلمون أن لا يوفوا لهم ويقاتلوهم في الحرم والشهر الحرام وكرهوا ذلك فنزلت ) لأن ما الذين يريدون القتال وهم الكفرة كلهم والوجه الأول أخص من الثاني والثاني أخص من الثالث . قوله : أو الكفرة كلهم فالمعنى وقاتلوا الذين يضادونكم في الدين . قوله : فإنهم بصدد قتال المسلمين بيان لوجه التجوز فهو من باب من قتل قتيلا فله سلبه وإني أراني أعصر خمرا في تسمية المشارف للشيء باسم ذلك الشيء . قوله : ويؤيد الأول ما روي الخ مراده بالأول ما دل عليه ظاهر الآية من أن المعنى الذين يناجزون في القتال ويبارزونه وجه التأييد أن المعنى حينئذ أي نظرا إلى سبب نزول الآية : ( قاتلوا الذين يباشرون القتال ) أولا وينقضون عهدهم ولا تقاتلوا الذين يحاجزون ويكفون أنفسهم عن القتال يباشرون القتال أولا وينقضون عهدهم ولا تقاتلوا الذين يحاجزون ويكفون أنفسهم عن القتال ثابتين على عهدهم والحاصل أن سبب النزول يقتضي الأمر لقتال طائفة مخصوصة من أهل الحرب وهم المباشرون للقتال منهم لا المحاجزون الممانعون القادرون على القتال القائمون على العهد وهذا هو معنى الوجه الأول والوجه الثاني وإن كان مبنيا على الخصوص لكن ذلك الخصوص لا يناسبه سبب النزول وتقرير سبب النزول أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم خرج بأصحابه لإرادة عمرة فنزل بالحديبية وهو موضع كثير الشجر والماء فصدهم المشركون عن دخول البيت فأقام شهرا لا يقدر على ذلك ثم صالحوه على أن يرجع ذلك العام ويعود إليهم في العام القابل ويتركون مكة ثلاثة أيام حتى يطوف وينحر الهدي فرضي رسول اللّه صلّى اللّه تعالى عليه وسلم بذلك وصالحهم عليه وعاد إلى المدينة وتجهز في السنة القابلة ثم خاف أصحابه عن قريش أن لا يفوا بالوعد ويصدوهم عن المسجد الحرام وأن يقاتلوهم وكانوا كارهين لقتالهم في الشهر الحرام وفي الحرم فأنزل اللّه تعالى الآيات وجوز لهم المقاتلة مطلقا .
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 70 | اسماعيل بن محمد القونوي / عبد الله محمود محمد عمر