يقصد ذلك لم يكن مجاهدا وهذا نكتة قوله لإعلاء كلمته وأما تفسيره بالجهاد فلما ذكرنا والمراد بكلمته كلمة التوحيد وسميت كلمة اللّه لدعوته إلى دين اللّه أو المراد بكلمة اللّه نفس دعوة الإسلام وإعلاؤها إظهار علوها وإبراز عز دينه بدفع مضرة الكفر والفساد عن العباد والزهاد وإعزاز دينه كالتأكيد لما قبله مع التفنن في البيان وفي بيانه إشارة إلى أن في سبيل اللّه استعارة للدين وكلمته لأنه طريق معنوي يتوصل به إلى رضاء ربه وإحسانه في دار كرامته تشبيها للمعقول بالمحسوس وإن الظرفية التي هي مدلول في مجازية ترشيح للاستعارة وجعله بمعنى اللام أو تقدير الشأن يخرجه عن المبالغة وإن كان صحيحا عند أرباب البلاغة قوله لإعلاء كلمته باللام بيان حاصل المعنى لا لكونه بمعنى اللام ولما كان ذلك مقصودا في الجهاد قدم على المفعول به الصريح ليفيد أنه أهم .
قوله : ( قيل كان ذلك قبل أن أمروا بقتال المشركين كافة المقاتلين منهم والمحاجزين ) على ما روي عن الربيع بن أنس هي أول آية نزلت في القتال بالمدينة وكان رسول اللّه يقاتل من يقاتل ويكف من كف مرضه لأنه قال في سورة الحج في قوله تعالى :
أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ
[ الحج : 39 ] الآية وهي أول آية نزلت في القتال بعد ما نهى عنه في نيف وسبعين آية والظاهر أن هذا مرضيه حيث لم يقل قيل هي أول آية الخ فعلى هذه الرواية يكون الأمر بقتال المشركين كافة بقوله تعالى :
فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ
الآية فيكون ناسخا لمفهوم هذا القول وهو لا تقاتلوا الذين لا يقاتلونكم عند القائل بأن المفهوم حكم شرعي وإلا فلا نسخ لأن ذلك عدم أصلي لا حكم شرعي عند من ينكر مفهوم المخالفة .
قوله : ( وقيل معناه الذين يناصبونكم القتال ويتوقع منهم ذلك ) أي يظهرون القتال لكم قوله : وقيل معناه هذا الوجه وما بعده كلاهما على حمل تقاتلون على المجاز لكن يفهم من قوله وقيل إن الوجه الأول من وجوه تفسير الآية ما دل عليه ظاهر يقاتلون من حقيقة المقاتلة فيرد عليه أنه يلزم منه أن الأمر بالقتال حينئذ أمر بتحصيل الحاصل لأن لفظ يقاتلون يدل بصيغته على حصول القتال بالفعل من الطرفين فالأمر بقتالهم أمر بتحصيل ما هو الحاصل فالأولى أن لا يفسر على حقيقته بل على تجوز كما فعله صاحب الكشاف حيث قال الذين يقاتلونكم الذين يناجزونكم دون المحاجزين وعلى هذا يكون منسوخا بقوله :
وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً
[ التوبة : 36 ] أو الذين يناصبونكم القتال دون من ليس من أهل المناصبة من الشيوخ والصبيان والرهبان والنساء والكفرة كلهم لأنهم جميعا مضادون للمسلمين قاصدون لمقاتلتهم فهم في حكم المقاتلة قاتلوا أو لم يقاتلوا قالوا في شرح هذا الموضع أن قوله تعالى :
يُقاتِلُونَكُمْ
[ البقرة : 190 ] مفاعلة هي تتحقق من الجانبين فالأمر بمقاتلتهم تحصيل الحاصل ففسر الذين يقاتلون بوجوه ثلاثة الأول أن المراد بالذين يقاتلون المناجزون للقتال قال الجوهري المناجزة في الحرب المبارزة والمحاجزة الممانعة وفي المثل المحاجزة قبل المناجزة وعلى هذا الوجه تكون منسوخة بآية القتال كما ذكره لأن الآية حينئذ تفيد قاتلوا المناجزين ولا تقاتلوا المحاجزين الذين لا يباشرون القتال لكنهم ليسوا من أهل العهد فنسح خصوص هذه الآية لعموم آية القتال والثاني أن المراد بهم الذين يناصبون القتال أي الذين لهم أهلية القتال دون من ليسوا بأهله والثالث أن المراد بهم المضادون للمسلمين