تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 407

مساهمون:

ص٤٠٧
بالآلات ولما لم يفهم مراده عليه السّلام ذلك الأحمق اللئام عدل عن هذا المثال الخفي « 1 » الذي يقبل الجدال بظاهر المقال إلى مثال جلي بحيث لا مساغ فيه للإشكال فلا انتقال من برهان إلى برهان آخر حتى يتوهم الإفحام ويحتاج في دفعه إلى بسط الكلام وهذا دقيق من سوانح الزمان وموهبة له من مواهب المنان قيل هلا قال نمروذ لإبراهيم عليه السّلام فليأت بها ربك من المغرب قلنا لأنه خاف أنه لو سأل ذلك فعل اللّه تعالى لما رأى منه بعض الكلام الأول وانتقل إلى كلام آخر وهم أن كلامه الأول كان ضعيفا ساقطا وأنه ما كان عالما بضعفه وإن ذلك المبطل علم وجه ضعفه ونبهه عليه وهذا مما يوجب سقوط وقع الرسول المعصوم وحقارة شأنه وأنه غير جائز والإشكال الثالث هو أنه وإن كان يحسن الانتقال من دليل إلى دليل أو من مثال إلى مثال لكنه يجب أن يكون المنتقل إليه أوضح وأقرب وههنا ليس الأمر كذلك لأن جنس الحياة لا قدرة للخلق عليه وأما جنس تحريك الأجسام فللخلق قدرة عليه ولا يبعد في الخلق وجود ملك عظيم الجنة أعظم من السماوات فإنه هو الذي يكون محركا للسموات وعلى هذا التقدير الاستدلال بالإحياء والإماتة على وجود الصانع أظهر وأقوى من الاستدلال بطلوع الشمس على وجود الصانع فكيف يليق بالنبي المعصوم أن ينتقل من الدليل الأوضح إلى الدليل الخفي الذي لا يكون في نفس الأمر قويا والإشكال الرابع أن دلالة الإحياء ولإمانة على وجود الصانع أقوى من دلالة طلوع الشمس عليه وذلك لأنا نرى في ذات الإنسان وصفاته تبدلات واختلافات والتبدل قوى الدلالة على أن الحاجة إلى المؤثر القادر ماسة أما الشمس فلا نرى في ذاتها تبدلا ولا في صفاتها ولا في نهج حركاتها تبدلا البتة فكانت دلالة الإحياء والإماتة على الصانع أولى وكان العدول منه إلى طلوع الشمس من المغرب انتقالا من الأقوى الأجلى إلى الأضعف الأخفى وأنه لا يجوز والإشكال الخامس أن نمرود عليه اللعنة لما لم يستحيي من معارضة الإحياء والإماتة الصادرة من اللّه تعالى بالقتل والتخلية فكيف يؤمن منه عند استدلال إبراهيم بطلوع الشمس أن يقول بل طلوع الشمس مني فإن كان ذلك آله فقل له حتى يطلعها من المغرب وعند ذلك التزم المحققون فقالوا إنه لو أورد هذا السؤال لكان الواجب أن تطلع الشمس من المغرب ومن المعلوم أن الاشتغال بإظهار فساد سؤاله في الإحياء والإماتة أسهل بكثير من التزام اطلاع الشمس من المغرب وأيضا فبتقدير أن يحصل طلوع الشمس من المغرب يكون الدليل على وجود الصانع هو طلوع الشمس من المغرب ولا يكون طلوع الشمس من المشرق دليلا على وجود الصانع وحينئذ يصير دليله الثاني ضائعا كما صار الأول ضائعا وأيضا فما الذي حمل إبراهيم على أن ترك الجواب عن ذلك السؤال الركيك والتزام الانقطاع وعرف بالحاجة إلى الانتقال وتمسك بدليل لا يمكن تمشيته إلا بالتزام اطلاع الشمس من المغرب وبتقدير أن يأتي باطلاع الشمس من المغرب فإنه يضيع دليله الثاني كما ضاع الأول ومن المعلوم أن التزام هذه المحذورات لا يليق بأقل الناس علما فضلا عن أفضل العقلاء وأعلم العلماء فظهر من هذا أن هذا التفسير الذي أجمع عليه الجمهور ضعيف وأما الوجه الذي ذكرناه فلا يتوجه عليه شيء من هذه الإشكالات لأنا نقول لما احتج إبراهيم بالإحياء والإماتة أورد عليه الخصم سواء لا يليق بالعقلاء وهو أنك إذا ادعيت الإحياء والإماتة بلا واسطة فذلك لا تجد إلى إثباته سبيلا وإن ادعيت حصولهما بواسطة
هامش
( 1 ) والانتقال من مثال إلى آخر لزيادة التقرير لا يعد اتفاقا من العجز والتقصير .