تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 304

مساهمون:

ص٣٠٤
قوله : ( ذكر العزم مبالغة في النهي عن العقد ) أي المقصود النهي عن الفعل وهو العقد هنا مبالغة في النهي عن العقد لأن النهي عن العزم مستلزم للنهي عن العقد فالمراد لازمه كناية وهي أبلغ من التصريح أو العزم نفسه منهي عنه ولما كان الفعل بدونه مستحيلا يكون النهي عن الفعل على وجه المبالغة ويفهم منه أن العزم المصمم يؤاخذ العبد عليه كما اختاره البعض فحينئذ العزم على العقد ونفس العقد كلاهما منهي عنهما « 1 » وأما الوجه الأول ففيه النهي عن الفعل فقط بطريق الكناية . قوله : ( أي ولا تعزموا عقد عقدة النكاح ) قدر المضاف إذ العزم إنما يكون على الفعل لا على نفس العقدة وإطلاق العزم على غير الفعل من المسامحات المشهورة والمراد الفعل المناسب للمحل . قوله : ( وقيل معناه لا تقطعوا عقدة النكاح فإن أصل العزم القطع ) لا تقطعوا أي لا تقدموا عليه ولا تبرموا فيكون النهي عن الفعل لا عن قصده وبهذا يمتاز عن الوجه الأول وإلا ففي العزم بمعنى القصد معنى القطع أيضا لأنه من عزم الأمر إذا قصده قصدا جازما وحقيقته القطع بدليل قوله عليه السّلام « لا صيام لمن لم يعزم الصيام من الليل » وروي لمن لم يبت الصيام كذا في الكشاف والظاهر أن المضاف محذوف على هذا المعنى إذ المعنى لا تقطعوا ولا تجزموا عقد عقدة النكاح والعزم الذي فيه القطع ليس عين القطع الذي بمعنى الجزم . قوله : ( حتى تنتهي ما كتب من العدة من العزم على ما لا يجوز ) هذا التخصيص من مقتضيات المقام . قوله : ( ولا تعزموه ) أي ما لا يجوز فيدخل فيه العزم بالنكاح المذكور دخولا أوليا والظاهر من كلامه أنه ذهب إلى أن العبد يؤاخذ بالعزم المصمم . جاء العزم في اللغة بمعنى القطع الذي هو الفك وهو في حيز المنع ولعل في كلمة لو في كلام هذا القائل المنبئة عن الفرض والتقدير لذلك قال الراغب دواعي الإنسان إلى الفعل على مراتب السانح ثم الخاطر ثم التفكر فيه ثم الإرادة ثم الهمة ثم العزم فالهمة إجماع من النفس على الأمر وإزماع عليه والعزم هو العقد على إمضائه ولهذا قال اللّه تعالى :
فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ
[ آل عمران : 159 ] وأقول كل واحد من الوجهين مبني على التجوز في معنى العزم إلا أن الوجه الأول من باب استعمال المقيد في المطلق كاستعمال التنابز في مطلق الدعاء في قوله تعالى :
وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ
[ الحجرات : 11 ] على وجه وحقيقة التنابز الدعاء باللقب وكذلك حقيقة العزم القصد مع الجزم فاستعمل في مطلق القصد باللقب والثاني من استعمال اللفظ في جزء معناه الموضوع له كاستعمال الصلاة في أحد أركانها .
هامش
( 1 ) لأن فيه مسلكين المؤاخذة على العزم المصمم عند بعض وعدم المؤاخذة عليه عند بعض آخر فأشير إلى المسلكين بالوجهين .