قوله : (
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ
[ البقرة : 235 ] ) وإنما يختم به الكلام مع أن قوله :
فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
يظن أنه مناسب للمقام إذ المقصود عدم إقناط كلي لأن ظاهره أن اللّه تعالى يؤاخذ العبد على ما في القلوب من العزم المصمم على المناهي فمؤاخذته بالأفعال القبيحة بطريق الأولى فيحصل للعبد اليأس فلما ختم الكلام بقوله تعالى :
أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ
[ البقرة : 235 ] حصل له الرجاء بالعفو والرحمة .
قوله : ( لمن عزم ولم يفعل خشية من اللّه لا يعاجلكم بالعقوبة ) إن فعل ما عزمه .
قوله تعالى :
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 236 ]
لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ ( 236 )
قوله : ( لا تبعة « 1 » من مهر ) وهو الأنسب لقوله تعالى :
ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ
[ البقرة : 236 ] فالمراد بالجناح المنفي الوجوب والمعنى لا يجب عليكم المهر إن طلقتم قبل المسيس وهذا هو المراد من قوله لا تبعة لأن المطالبة وهي معنى تبعة إنما تكون بعد الوجوب فذكر اللازم لأنه هو المقصود من الإيجاب والوجوب والجناح الميل « 2 » إلى الإثم أصله من الجناح ونفيه أبلغ من الإثم فاستعماله في نفي التبعة والوجوب مجاز بعلاقة السببية إذ الوجوب « 3 » تركه ميل إلى الإثم .
قوله : ( وقيل من وزر لأنه لا بدعة للطلاق قبل المسيس وقيل كان النبي صلّى اللّه تعالى عليه وسلم يكثر النهي عن الطلاق فظن أن فيه حرجا فنفى ) وقيل من وزر مرضه مع أنه حقيقي لما عرفت من أنه لا يلائم قوله :
ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ
[ البقرة : 236 ] الآية وأيضا قوله :
وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ
[ البقرة : 237 ] دليل على أن الجناح المنفي تبعه المهر كما سيصرح به فحينئذ لا يفهم من هذا القول عدم وجوب المهر في الطلاق قبل المسيس فليكن هذا أيضا وجه ضعف هذا القول قوله وقيل كان النبي عليه السّلام فيه نوع تأييد « 4 » .
قوله : لمن عزم فلم يفعل خشية من اللّه والأولى أن يفسر معنى الغفور مطلقا عن هذا القيد بناء على سعة رحمة اللّه تعالى وعموم مغفرته يرشدك إليه ذكره مطلقا عن المغفور له ليتناول من عزم ولم يفعل وعزم وفعل ما دام ثابتا على الإيمان .
قوله : وقيل من وزر أقول يلزم من حمل الجناح على الوزر أن يكون طلاق غير الممسوسة التي فرض لها مهر وزرا لأنه يفيد بمفهومه عليكم وزر في تطليقهن إن فرضتم لهن فريضة وليس الأمر كذلك لأنه لا بدعة ولا وزر في تطليق غير الممسوسة سواء فرض لها فريضة أو لا فالوجه الصحيح أن يراد به تبعة المهر لا الوزر .
هامش
( 1 ) وتبعه كفرجة ما يؤخذ منه .
( 2 ) وقد يستعمل في نفس الاثم بل هذا أكثر استعمالا .
( 3 ) أو الوجوب مستلزم للتبعة .
( 4 ) لكنه خبر واحد لا يقاوم وما هو الظاهر من النص وهو عدم المهر على الزوج .