تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
قوله : ( أي عكسوا الأمر فجعلوا ما أنزل مزيجا للاختلاف سببا لاستحكامه ) قد مر وجه التعبير باستحكام الاختلاف من أن نفس الاختلاف في الحق قبل بعث النبيين ودوامه واستحكامه بعد البعثة وجه جعلهم ما هو سبب في نفس الأمر لإزاحة الخلاف سببا لاستحكامه هو « 1 » أن سقامة طبعهم وخبث شكيمتهم يؤدي إلى ترك التأمل في الكتاب والبغي والحسد والحرص المفرط على الدنيا وزخارفها وبذلك يرى الحق كلا حق فأنكره من أنكر فإنه كالغذاء الصالح لحفظ الصحة فإنه لا يجلب نفعا ما لم يكمن الصحة حاصلة ألا يرى أن السقيم ينكر طعم السكر من سقمه ثم الظاهر أن الحصر في إلا الذين أوتوه ادعائي كان اختلاف الجهال ملحق بالعدم والتعميم إلى الجهال لا يلائم « 2 » قوله تعالى :
أُوتُوا الْكِتابَ
[ البقرة : 101 ] الآية . قوله : (
مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ
[ البقرة : 213 ] الآية ) كلمة « 3 » من ابتدائية أو مقحمة ولفظة ما مصدرية ولفظ جاءتهم استعارة تبعية والمراد بالبينات الدلائل الشاهدة على حقية الدين المتفق عليه وهي الكتاب عبر بها نظرا إلى دلالتها دلالة واضحة ولا يبعد التعميم إلى الشواهد العقلية إذ البينات شاملة لها في غير هذا الموضع . قوله : ( حسدا بينهم أو ظلما لحرصهم على الدنيا ) فسر البغي بالحسد إذ منشأ الاختلاف في الأكثر الحسد وهو سبب للظلم ولذا قال وظلما قوله لحرصهم على الدنيا علة للحسد والظلم العلتان للاختلاف لكن هذه العلة بالنسبة إلى من لم يهتد إليه . قوله : (
فَهَدَى اللَّهُ
[ البقرة : 213 ] الآية أي للحق الذي اختلف فيه من اختلف ) فهدى اللّه الفاء لترتب الهداية على مجيء البينات آمنوا أي بالكتاب منهم والمراد الذين شارفوا الإيمان وهو الظاهر إذ الإيمان بما يجب الإيمان به من جملة الحق بل هو عين الحق أو المؤمنون بالفعل بالكتاب خاصة والهداية لما سواه من الحق أو المراد بالهداية الثبات عليها أو زيادة ما منحوه من الحق . قوله : ( بيان لما اختلفوا فيه ) إذ الإبهام أولا والتفسير ثانيا أوقع في النفوس وفيه من المبالغة في التفخيم ما لا يخفى . قوله : ( بأمره أو بإرادته ولطفه ) بأمره أي الإذن مجاز عن الأمر والعلاقة اللزوم إذ
هامش
( 1 ) فلا إشكال بأنه كيف يجعلون سببا للاختلاف ما هو سبب لإزاحة الاختلاف وفي لفظ يجعلون إشارة إلى ما ذكرنا . ( 2 ) وإن كان صحيحا . ( 3 ) كلمة من متعلقة بمحذوف يدل عليه الكلام لأن ما قبل إلا لا يعمل فيما بعدها إلا المستثني فالتقدير فاختلفوا وما اختلف فيه الخ وإذا أريد الحصر فيقدر الفعل مؤخرا أي من بعد ما جاءتهم البينات فاختلفوا وإلا فلا وقيل متعلق بالمذكور بناء على عدم منع إلا عنه كما في قولك ما قام إلا زيد يوم الجمعة فيلزم تعدد الاستثناء المفرغ بدون عطف ولا بدلية فهو جائز عند بعضهم ونقل عن أبي علي وابن السراج وإن كان المختار الصحيح عدم صحته .