قال في أوائل سورة
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ
[ المؤمنون : 1 ] ولفظة قد يثبت المتوقع كما أن لما تنفيه وفي الكشاف وهي في النفي نظير قد في الإثبات فمعنى كلامه هنا أن فيها نفي المتوقع تسامح في العبارة هنا ومعنى النظم أن إتيان ذلك متوقع منتظر ولم يقع بعد يقال قد ركب الأمير لقوم ينتظرون ركوبه وقوله لما يركب معناه ما وجد ما كنت تتوقعه أشار إلى ما ذكرناه بقوله ولذلك جعل مقابل قد .
قوله : ( حالهم التي هي مثل في الشدة ) لما بينه في قوله تعالى :
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي
[ البقرة : 17 ] الآية إن لفظ المثل مستعار للحال والقصة العجيبة الشأن .
قوله : ( بيان له على الاستئناف ) أي الاستئناف المعاني جواب سؤال مقدر كأنه قيل ما حالهم وما شأنهم ولذا اختير الفصل على الوصل .
قوله : ( وأزعجوا إزعاجا شديدا بما أصابهم من الشدائد ) فصبروا وثبتوا على دينهم فاصبروا على أذاهم ولا تكونوا متضجرين حتى يأتي حكم اللّه تعالى وبملاحظة ذلك كان حكاية ذلك تشجيعا لهم على الثبات والمراد من الشدائد شدة الخوف والفاقة وهو المراد بالبأساء والآلام والأمراض وهو المراد بالضراء .
قوله : (
حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ
[ البقرة : 214 ] الآية ) حرف جر أي إلى أن يقول الرسول أي رسول كل أمة في وقته ولذا أفرد الرسول :
وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ
[ البقرة : 214 ] لفظة مع يكفي في المصاحبة « 1 » الاشتراك في نفس الإيمان ولا يشترط الاستصحاب في حدوث الإيمان ولو قيل إنه شرط لصارت مجازا .
قوله : ( لتناهي الشدة واستطالة المدة بحيث تقطعت حبال الصبر ) لتناهي الشدة أي الشدة بلغت إلى غايته القصوى استطالة المدة أي المدة وزمان الضر والكربة وصلت في الطول إلى نهايتها النائية كيف لا والأنبياء عليهم السّلام مع كمال ثباتهم وفرط اصطبارهم حيث تقطعت حبال صبرهم حتى بلغوا هذا المبلغ من التضجر والتضرع علم أن أمر الشدة في تأكيد الإثبات قال سيبويه وأما قد فجواب هل فعل وقال أيضا فجواب لما يفعل ومعنى التوقع فيه ما قاله الخليل هذا الكلام لقوم ينظرون الخبر فإنه إذا قال المؤذن قد قامت الصلاة يريد به قد قرب قيام الصلاة ولا يقصد به الإخبار لقيام الصلاة بل مقصوده الإخبار بقربه وكذلك لا يخرج إنما يقال لقوم ينتظرون الخبر ويتوقعونه والحاصل أنك إذا أردت أن تنفي والمخاطب يتوقع إخبارك قلت لما يفعل وإن لم يظهر لك أنه يتوقعه قلت لم يفعل وإذا أردت أن تثبت والمخاطب يتوقع إخبارك قلت قد فعل وإن لم يتوقع إخبارك قيل فعل بغير قد قوله وازعجوا على لفظ المبني للمفعول من أزعجه إذا أقلقه وجعله مضطربا .
هامش
( 1 ) وفي الحواشي السعدية في تفسير قوله تعالى :وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِالآية تفصيل لهذا المقام والحاصل أن مع جار على حقيقته إن لم يكن صارف عن ذلك وإلا فيحمل على المصاحبة في الاتصاف به لا المصاحبة في الحدوث كقوله تعالى :وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَوكما نحن فيه .