قوله تعالى :
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 209 ]
فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 209 )
قوله : ( عن الدخول في السلم ) الخطاب فيه أربعة « 1 » احتمالات وفصل معنى الدخول في السلم على حال المخاطبين وزلله كذلك والزلل في الأصل في القدم يقال زل القدم زلا وزلولا إذا دحضت ثم استعمل في الزل المعنوي وهو سوء الاعتقاد والرأي الفساد بطريق الاستعارة وهو المراد هنا الفاء في فإن زللتم للسببية لأن الأمر بالدخول في السلم سبب لبيان حال عدم الدخول وكلمة الشك لأن الزلل في نفسه غير مقطوع الوقوع واللاوقوع .
قوله : (
مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ
) كلمة من زائدة أو ابتدائية وفي جاء استعارة تبعية البينات اللام للاستغراق العرفي أي مجموع الآيات الدالة على الحق .
قوله : ( الآيات والحجج الشاهدة على أنه الحق ) الشاهدة مستفاد من التعبير بالبينات والشاهدة استعارة تبعية كناطقة في الحال ناطقة وإنما قيد به لأن الزلل بعده أشنع منه قبل مجيء البينات .
قوله : ( لا يعجزه الانتقام ) نبه به على أن الجزاء محذوف وقوله
فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
[ البقرة : 209 ] علة الجزاء التي أقيمت مقامه وإنما أطنب بقوله فاعلموا ولم يكتف بقوله فإن اللّه عزيز حكيم للمبالغة في التهديد والتأكيد في الوعيد الشديد .
قوله : ( لا ينتقم إلا بحق ) أي باستحقاق وبقدر استحقاقه لا يزيد عليه مثقال ذرة .
قوله : ( استفهام في معنى النفي ) أي استفهام إنكاري للوقوع فالنفي لازم له والمعنى ما ينتظرون « 2 » شيئا إلا ذلك وهم ما كانوا ينتظرون لذلك لكن لما كان يلحقهم ذلك لحوق المنتظرين لتعاطيهم بسببه شبهوا بالمنتظرين .
قوله : لا ينتقم إلا بالحق وفي الكشاف روي أن قارئا قرأ غفور رحيم فسمعه أعرابي فأنكره ولم يقرأ القرآن وقال إن كان هذا كلام اللّه فلا يقول كذا الحكيم لا يذكر الغفران عند الزلل قوله فلا يذكر كذا الحكيم جواب الشرط وقوله لا يذكر الغفران عند الزلل استئناف على سبيل البيان والتعليل ونحوه ما حكي عن الأصمعي أنه قال كنت اقرأ :
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ
غفور رحيم يجبني أعرابي فقال كلام من هذا قلت كلام اللّه قال أعد فأعدت قال ليس هذا كلام اللّه فانتبهت فقرأت واللّه عزيز حكيم فقال أصبت هذا كلام اللّه فقلت أتقرأ القرآن قال لا قلت من أي شيء علمت قال يا هذا عز فحكم فقطع ولو غفر ورحم لما قطع .
قوله : استفهام في معنى النفي والمعنى ما ينظرون في الآيات البينات ولا يتأملون فيها إلا أن يأتيهم اللّه
هامش
( 1 ) أي المخاطب إما المنافق أو مؤمن أهل الكتاب وأهل الكتاب أو المسلم .
( 2 ) إشارة إلى أن ينظرون بمعنى ينتظرون .