قوله : ( يغفر ذنب المستغفر وينعم عليه ) أي غفور بمعنى المضارع مرادا به الاستمرار وينعم عليه أي رحيم معناه هنا المنعم عليه أي على المستغفر وقيده بالمستغفر لاقتضاء المقام « 1 » وإلا فهو تعالى غفور لما دون الشرك ومتفضل على عباده مستغفرا أولا .
قوله تعالى :
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 200 ]
فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ( 200 )
قوله : ( فإذا قضيتم العبادات الحجية وفرغتم منها ) يريد أن المراد بالمناسك التي هي جمع المنسك بمعنى المصدر العبادات المتعلقة بالحج لأنها شائعة فيها وإن كان أصله بمعنى غاية العبادة مطلقا القضاء هنا بمعنى الأداء الفاء لترتب ما بعده على ما قبله والعبادات الحجية وإن لم تذكر هنا بتمامها لكن لما ذكر معظم أفعال الحج وهو الوقوف بعرفة كان تمامها مذكورة فحسن أن يقال فإذا قضيتم مناسككم وجهه قوله عليه السّلام « الحج عرفة فمن أدرك عرفة فقد أدرك الحج » .
قوله : ( فأكثروا ذكره وبالغوا فيه كما تفعلون بذكر آبائكم في المفاخرة ) يعني المراد بالأمر بالذكر الأمر بإكثاره لقوله
كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ
[ البقرة : 200 ] أو لأن أصل الذكر متحقق فيهم لأن الأمر إما محمول على الدوام أو الإكثار في الليالي والأيام قوله وبالغوا فيه تأكيد للإكثار أو المراد المبالغة في الكيف .
قوله : العبادات الحجية إشارة إلى أن لفظ النسك أكثر استعماله في عبادة مخصوصة بالحج حتى كاد أن يخص بها بالغلبة وإن كان في الأصل لمطلق العبادة قال الجوهري والنسك بالضم العبادة وأما والناسك العابد والنسيكة الذبيحة والجمع نسك ونسائك والمنسك والمنسك الموضع الذي تذبح فيه النسائك وقرىء بهما قوله تعالى :
لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ
[ الحج : 67 ] وقوله وفرغتم منها معنى الفراغ لازم معنى قضاء المناسك لأن القضاء بمعنى الأداء وإذا أديت العبادة بتمامها يلزمه الفراغ منها ولما كانا متلازمين كان عطف قوله وفرغتم على قضيتم كعطف التفسير له قال الإمام اعلم أن القضاء إذا علق بفعل النفس فالمراد منه الإتمام والفراغ وإذا علق بفعل الغير فالمراد به الالزام نظير الأول فقضيهن سبع سماوات
فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ
[ الجمعة : 10 ] وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما فاتكم فاقضوا » ونظير الثاني قوله تعالى :
وَقَضى رَبُّكَ
[ الإسراء : 23 ] وإذا ثبت هذا فنقول قوله تعالى :
فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ
[ البقرة : 200 ] لا يحتمل إلا الفراغ من جميعه فعلى هذا يكون عطف قوله وفرغتم منها على ما قضيتم عطف التفسير قطعا من غير التزام لمعنى الملازمة .
قوله : فأكثروا ذكره معنى الاكثار مستفاد من التشبيه الذي أفاده الكاف في
كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ
[ البقرة : 200 ] فإنه يدل على أن الذكر المأمور به يجب أن يكون على الوجه الذي يذكرون آباءهم وأشار إليه بقوله وبالغوا فيه كما تفعلون بذكر آبائكم .
هامش
( 1 ) لأنه تعليل للأمر بالاستغفار .