التقوى الشرعي وهو التجنب عما يضره في العقبى وهو المرتبة الوسطى من التقوى فإن المحافظة المذكورة إنما تحققت بالتأمل الأحرى ومتسببة عنها فكلمة لعل بمعنى كي على أنها استعارة تمثيلية .
قوله : ( أو عن القصاص فتكفوا عن القتل ) فالتقوى ح بمعنى الخوف والاحتراز مجازا آخره لضعفه أما أولا فلأنه يمكن حملها على المعنى الشرعي الحقيقي كما عرفته وأما ثانيا فلأن الاحتراز عن القصاص قد فهم من قوله
وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ
[ البقرة : 179 ] كما بينه بقوله لأن العلم به يردع القاتل عن القتل فالتعليل به قريب من إيهام الدور على الأول وعلى الوجه الثاني وإن لم يلزم ذلك لكن لزومه في الوجه الأول كاف في التضعيف وجملة
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
[ البقرة : 21 ] متعلق بمقدر في الأول أي بين لكم حكم الشرع شرع القصاص ليبصروا متقين في المحافظة الخ ومتعلقة بقوله
كُتِبَ عَلَيْكُمُ
[ البقرة : 178 ] في الوجه الثاني كتب عليكم اختير الفصل للدلالة على أنه حكم مستقل غير تابع لما قبله مقصود بالذات وارتباطه لما قبله كون كل منهما متعلقا بالأموات وأحكامها اللائقة بهم غاية الفرق أن الأول مكتوب على ولي المقتول والحكام والقاتل كما فصلناه هناك وهذا الحكم مكتوب على من شارف الموت سواء كان الموت بسبب الجرح المؤدي إلى القتل أولا فبهذه الملاحظة يزداد مناسبته لما قبله ولقريب عهد ذكر
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
لم يصدر هنا به .
قوله تعالى :
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 180 ]
كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ( 180 )
قوله : ( أي حضر أسبابه وظهرت إماراته ) بتقدير المضاف للقرينة القوية على أن حضور الموت ينافي الوصية وهذا أولى « 1 » مما قيل إنه يمكن أن يكون حضر مجازا عن قربه قوله وظهر اماراته بيان ما هو المراد من حضور أسبابه أي ظهر امارات تدل ولو ظنا على لحوق الموت به ونزوله وإضافة الامارات إلى الموت للتسامح وقدم المفعول لأن الأهم بيان حضور أحدهم لا بيان حضور الموت .
قوله : ( أي مالا ) ولو قليلا وهو الشائع في الاستعمال لا سيما في استعمال القرآن قال تعالى :
وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ
[ العاديات : 8 ] نقل عن بعض العلماء أنه قال إنما سمي قوله : أي حضر أسبابه وإنما فسر حضور الموت بحضور سببه والمذكور حضور نفس الموت إذ لا معنى لإيجاب الإيصاء عند حضور نفس الموت لعدم الاقتدار حينئذ على الوصية وإيجابها عليه تكليف لما لا يطاق .
هامش
( 1 ) وهذا أولى مما قيل تقدير المضاف لأن الموت لا يحضر فإن حضور الموت استعارة لحصوله وتحققه وقيل المراد به الحضور العلمي وذلك إنما هو بظهور أماراته فهو راجع إليه .