آمَنَ بِاللَّهِ
الآية وقدم خبر ليس على قراءة الحفص لما أن المصدر المأول أعرف من المحلى باللام لأنه يشبه الضمير من حيث إنه لا يوصف ولا يوصف به والأعرف أحق بالاسمية كذا في الإرشاد ولما كان في الاسم طولا قدم الخبر عليه والأولى أن يقال إن تولى وجوههم قبل المشرق والمغرب أمر معلوم ونفى كون ذلك التولي برا مجهول فلا جرم أن ما هو ليس بمعلوم حكم به على أمر معلوم في الكلام الخبري .
قوله : ( وقيل عام لهم وللمسلمين ) قيل فيكون عودا على بدء فإن الكلام في أمر القبلة وطعنهم في النبي عليه السّلام بذلك كان أساس الكلام إلى هذا القطع فجعل خاتمة كلية أجمل فيها ما فصل كما قيل لكن لما كان طول الفصل بينه وبين بدأ أمر القبلة وما يقع به الفصل غير أمر القبلة مرضه ولم يرض به ولم يلتفت إليه أبو السعود صاحب الإرشاد .
قوله : ( أي ليس البر مقصورا بأمر القبلة ) عداه بالباء لتضمنه معنى الاختصاص وتعديته بلا تضمين بعلى والباء داخلة على المقصور عليه والقصر مستفاد من تعريف البر بلام الجنس فيفيد قصر المسند إليه على المسند والنفي متوجه إلى القصر أي ما أنتم عليه أيها المسلمون من أمر القبلة من البر لكن البر ليس بمقصور عليه فلا تكثروا الخوض في شأنه لكن توجه النفي إلى القصر بالنسبة إلى أهل الكتاب مشكل واعتبار القصر وعدمه في إطلاق واحد باطل وهذا يكون وجها آخر لضعفه وإذا كان المراد بالخطاب أهل الكتاب يكون النفي متوجها إلى نفس البر والقصر يعتبر في النفي بأن يلاحظ النفي أولا ثم القصر ثانيا كملاحظة النفي أولا ثم المبالغة في النفي ثانيا في قوله تعالى :
وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
[ فصلت : 46 ] على وجه وقصر نفي البر على ما ذكر ادعائي أو إضافي .
قوله : ( أوليس البر العظيم الذي يحسن أن تذهلوا بشأنه عن غيره أمرها ) أي اللام في البر للعهد والمعهود البر العظيم الذي الخ . وهذا حاضر في الذهن وقرة العين لراغب المبرات ومكمل الحسنات فبهذا الاعتبار يتحقق شرط العهد ولما لم يكن ذلك في القوة بحيث يمنع حمله على الجنس جوزه وقدمه لإفادته القصر بخلاف العهد والقصر كما عرفت يفيد ترغيب المبرات عظيمها أو غيره والزجر عن الاشتغال ببر مخصوص منها وهذا المعنى أيضا لا يلائم كون الخطاب عاما للكافرين إذ لا يحسن هذا المعنى في شأنهم إلا أن يقال إن نفي البر الذي شأنه كذا عن أمر القبلة أعم من أن يكون من المبرات وليس من أعظمها وهذا بالنسبة إلى المؤمنين ومن أن لا يكون منها لكونها منسوخة بالنسبة إلى الكافرين فعلى هذا التأويل هذا المعنى أولى من المعنى الأول لأنه لا ينتظم بالنسبة إلى أهل الكتاب يعرفه أولو الألباب وينكشف من هذا البيان أن ذكر المشرق والمغرب حينئذ للتعميم بطريق ذكر الخاص وإرادة العام مجازا وهذا خلاف الظاهر فليكن هذا وجها آخر لتمريضه .
قوله : وقيل عام لهم وللمسلمين هو القول الثاني في الخطاب وإنما وصف البر المنفي في هذا الوجه بالعظم دون الأول لأنه لما كان من جملة ذلك النزاع قول المسلمين وهو بر لم يجز أن يسلب عنه مطلق البر فسلب البر العظيم .