[ آل عمران : 31 ] الآية المحبة ميل النفس إلى الشيء لكمال أدرك فيه بحيث يحملها على ما يقربها إليه والعبد إذا علم أن الكمال الحقيقي ليس إلا للّه وأن كل ما يراه كمالا من نفسه أو من غيره فهو من اللّه وباللّه وإلى اللّه لم يكن حبه إلا للّه وفي اللّه وذلك يقتضي إرادة طاعته والرغبة فيما يقربه فلذلك فسرت المحبة بإرادة الطاعة انتهى فاتضح قوله هنا ومحبة العبد للّه تعالى إرادة طاعته وهذا التفصيل لما لم يكن جاريا في محبة اللّه تعالى قال هناك عبر عن إرادة اللّه تعالى إكرام عبده تفضلا بالمحبة على طريق الاستعارة أو المقابلة .
قوله : ( لأنه لا تنقطع محبتهم للّه بخلاف محبة الأنداد ) لا تنقطع بل تزداد آنا فآنا لأنه كما عرفت أن منشأ المحبة إدراك الكمال والمؤمن كلما وقف كمالا ازداد حبا في الدنيا والآخرة وكماله تعالى لم يكن متناهيا باعتبار تعلقه فمحبة العبد المتسببة عن إدراك الكمال لم يكن متناهيا فلإفادة هذه المبالغة لم يجئ والذين آمنوا أحب للّه بل أشد حبا للّه قال المصنف في قوله تعالى :
فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً
[ البقرة : 74 ] إنما لم يقل أقسى لما في أشد من المبالغة والدلالة على اشتداد القسوتين واشتمال المفضل على زيادة انتهى وكذا الكلام هنا لأن فيه إشارة إلى أن المحبتين مشتدتان والمفضل أعني محبة المؤمنين ربهم مشتمل على زيادة الاشتداد من المفضل عليه وهو محبة المشركين الأنداد أشار إليه بقوله بخلاف الأنداد فلو قيل أحب للّه لفات هذه المبالغة ولفهم أنهم والمشركين متشاركان في نفس المحبة واشتمال المفضل على زيادة المحبة لا اشتدادها ولا ريب في أن زيادة اشتداد المحبة بلغ وأقوى من زيادة نفس المحبة وقس عليه نظائره وفي قوله
وَالَّذِينَ آمَنُوا
[ البقرة : 9 ] بدون ذكر
وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
لطف رشيق وتنبيه أنيق على أن الإيمان وحده كاف في ذلك .
قوله : ( فإنها لأغراض فاسدة موهومة تزول بأدنى سبب ) كالشفاعة في أمور الدنيا والآخرة إن كان الآخرة واقعة وهذا كمال لها فلما لم يترتب منافعهم على فعلهم وعلموا أنها عاجزة وليس لها أصلا زالت تلك المحبة التي هي متسببة عن توقع الكمال لها بظهور خلافه وتنقلب تلك المحبة بغضا وعداوة .
قوله : ( ولذلك كانوا يعدلون عن آلهتهم إلى اللّه عند الشدائد ويعبدون الصنم زمانا ثم يرفضونه إلى غيره ) إلى اللّه عند الشدائد من غير إشراك التراجع « 1 » الفطرة وزوال المعارض من شدة الخوف قال تعالى :
وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ
قوله : ويعبدون الصنم زمانا ثم يرفضونه إلى غيره وفي الكشاف ويعبدون الصنم زمانا ثم يرفضونه إلى غيره أو يأكلونه كما أكلت باهلة إلهها من حيس عام المجاعة بأهلة قبيلة من قيس غيلان والحيس تمر يخلط بسمن وأقط .
هامش
( 1 ) أي الفطرة التي فطر الناس عليها وهو استعدادهم بمعرفة الوحدانية وزوال المعارض وهو التقليد والانهماك في اتباع الهوى .