تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 369

مساهمون:

ص٣٦٩
ومن جملة النصرة إجابة الدعوة ولكونها أهم خصها بالذكر هذا تعليل للأمر بالاستعانة بالصبر خاصة لما أنه المحتاج إلى التعليل بخلاف الأمر بالاستعانة بالصلاة فإنه ظاهر غير محتاج إلى التعليل قال صاحب الإرشاد ومعنى المعية الولاية الدائمة المستتبعة للنصرة وإجابة الدعوة ودخول مع علي الصابرين لما أنهم المباشرون للصبر حقيقة فهم متبوعون من تلك الحيثية انتهى ولك أن تقول إن معنى المعية هنا كنوي لا المعية حقيقة وهو ظاهر ودخول مع علي المتبوع في أغلب الأوقات وعلى التابع قليلا إذا أريد به المعنى الحقيقي وأما في المعنى المجازي أو الكنوي فلا يطلب التابع والمتبوع ولو سلم فقد تدخل مع علي التابع كما صرح به قدس سره في شرح المفتاح في بحث متعلقات الفعل فيحسن أن يقال في مثل هذا الكلام إنه داخل على التابع للتأدب ولما كان المخاطبون هنا المؤمنين ختم بقوله
إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ
[ البقرة : 153 ] والمخاطبون في أوائل السورة لما كانوا بني إسرائيل ختم هناك بقوله :
وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ
[ البقرة : 45 ] فلا تكرار في الأمر بالاستعانة بالصبر والصلاة على أنه قد مر مرارا أن التكرار للتوكيد حسن شائع في كلام البلغاء ووجه اتصاله بما قبله هو أنهم لما أمروا بالتكاليف التي أشق وفي أدائها صعب تام حث على الاستعانة بهما وخصهما بالذكر لأن الصبر يشمل كل ترك لأنه كما عرفت صبر عن المناهي والمعاصي والصلاة جامعة لكل عبادة وقدم الصبر عن المحارم لأن التخلية مقدم على التحلية وقد فسر الصبر بالصوم لأنه صبر على المفطرات لما فيه من تصفية النفس وكسر الشهوات . قوله تعالى :

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 154 ]

وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ ( 154 ) قوله : ( أي هم أموات ) إشارة إلى أنه خبر مبتدأ محذوف لكون المقول جملة . قوله : ( بل هم أحياء ) هذا إخبار من طرفه تعالى وإياك أن تقول تقديره بل قولوا هم أحياء إذ لا يلائم حينئذ قوله
وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ
[ البقرة : 154 ] إلا بتمحل فهي جملة معطوفة على لا تقولوا اضراب عنه لأن المقصود إثبات الحياة الحقيقية لهم ونفي الموت الحقيقي وإن كانوا أمواتا بحسب الظاهر وأما الأمر بهم بأن تقولوا في شأنهم إنهم أحياء وإن كان ذلك صحيحا أيضا لكن قوله
وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ
[ البقرة : 154 ] لا يلائمه إلا أن يقال إنهم أيضا مأمورون بقول ذلك أو إنه حكاية من كلامه تعالى أو كلام مبتدأ من طرفه تعالى وليس في حيز القول والكل تكلف . قوله : ( ما حالهم ) إشارة إلى أن مفعول لا تشعرون حذف لدلالة الكلام عليه ولرعاية الفاصلة فلفظة ما استفهامية . قوله : ( وهو تنبيه ) الخ وجه التنبيه هو أن الشعور لما كان الإدراك بالحواس فنفيه قوله : وفيه تنبيه الخ أي في قوله سبحانه :
بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ
تنبيه على أن حياة من يقتل في سبيل اللّه ويستشهد في طريق الحق ليست حياة جسدانية تدرك بالمشاعر والحواس الجسمانية كما في هذه الدار .
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 369 | اسماعيل بن محمد القونوي / عبد الله محمود محمد عمر