تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 367

مساهمون:

ص٣٦٧
لكن كرر الفعل وقيل ويعلمكم ليدل على أنه جنس آخر أي كأنه نوع آخر وليس من جنس ما قبله لأن تعليمه أحوج ما يكون إذ لا طريق إلى معرفته سوى الوحي والتعليم فيكون تخصيصا بعد التعميم للنكتة المذكورة فيكون ترغيبا على دوام الشكر على الإرسال لأنه لولاه لكان المكلفون متخيرين في أمر دينهم ودنياهم ومحرومين عن سعادة الدارين والفوز بالخيرين فهذا العطف كعطف جبريل على الملائكة وأن مراده بجنس آخر تأويلا وادعاء كالقول بأن جبريل جنس آخر مغاير للملائكة تنزيلا لتغاير الصفات منزلة التغاير الذوات وأن المراد بالموصول في
ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ
الكتاب والحكمة مقيدا بما ذكر من أنه لا طريق إلى معرفته سوى الوحي والتعليم ولم يجئ ويعلمكم ما لم تعلمون لأن نفي الكون على صفة أبلغ من نفي الصفة . قوله : ( فاذكروني ) « 1 » الفاء لما في الكلام من معنى الشرط والمعنى أن نعم اللّه تعالى لا تحصى فإن لم تذكروه بالطاعة لسائر نعمه فاذكروني بالطاعة لأجل هذه النعمة وهي نعمة الإرسال في أحوج ما يكون وفي فترة من الرسل أو الفاء لإفادة معنى الشرط فكأنه قال مهما يكن من شيء فاذكروني بالطاعة وهذا أبلغ معنى والأول أنسب لفظا . قوله تعالى :

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 152 ]

فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ ( 152 ) قوله : ( بالطاعة ) وهي « 2 » الانقياد وبجميع ما أمر به فيتناول الذكر باللسان والجوارح والجنان فذكر اللسان كالحمد والتسبيح وذكر القلب كالتفكر في الدلائل على ذاته وصفاته والإيمان بجميع ما جاء به النبي عليه السّلام وذكر الجوارح كونها مستغرقة في الأعمال المأمور بها وخالية عن النواهي التي نهوا عنها وهذا كله ظاهر لكن إطلاق الذكر عليها إما بالاشتراك اللفظي أو المعنوي أو حقيقة في الذكر اللساني ومجاز في الأخيرين لم يبين ذلك « 3 » والظاهر الأخير والعلاقة المشابهة في كونها طاعة . الغريب كالعلم بوجود الواجب تعالى ووحدانيته وكمال قدرته وإرادته وعلمه وحياته وتكوينه فعلى هذا يكون المراد بالكتاب في قوله :
وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ
[ البقرة : 151 ] ليس جميع ما في الكتاب بل بعض منه مما يمكن للعقل معرفته بالنظر والتأمل في المصنوعات لما أن في الكتاب ما لا يحصل العلم به إلا بطريق الوحي الإلهي وهذا التقسيم بناء على أن ما هو المقدور حصوله للعقل فهو كالحاصل بالفعل فيتعلق التعليم به في الأول باعتبار عدم حصوله الحال .
هامش
( 1 ) الذكر ورد على ثمانية أوجه الطاعة كما في هذه الآية والعمل والعظة والشرف والقرآن والتوراة والبيان والصلاة قال تعالى :فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ[ الجمعة : 9 ] الآية والكل مجاز سوى البيان باللسان . ( 2 ) وقيل معناه اذكروني بطاعتي أذكركم بمعرفتي واذكروني في النعمة والرخاء أذكركم في الشدة والبلاء اذكروني بالدعاء أذكركم بالإجابة ذكروني في الدنيا أذكركم في الآخرة . ( 3 ) ويؤيده قول الفاضل الخيالي في قول النحرير التفتازاني في تعريف العلم صفة يتجلى به المذكور ويمكن أن يعبر عنه إشارة إلى أن المذكور من الذكر بالكسر وهو ما يكون باللسان وأما الذكر بضم الذال ما يكون بالقلب .