تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 326

مساهمون:

ص٣٢٦
وأشار فيه أيضا بقوله إذا صيرته واليا أي جعلته واليا قدم الأول لأنه الأصل المترتب عليه الثاني لأن القرب من جهتها بعد القدرة والتمكين من استقبالها . قوله : ( ترضاها تحبها وتتشوق إليها لمقاصد دينية ) ترضاها صفة قبلة ولا يلزم منه عدم رضاء غيرها وأيضا معنى الرضاء حقيقة وهي ضد السخط ليس بمراد هنا وإلى ذلك أشار بقوله تحبها لأنه عليه السّلام لم يكن ساخطا لتلك القبلة والقرينة عليه كنار على علم لكن المحبة ليست محبة طبيعية تابعة للهوى بل المحبة الدينية وعن هذا قال وتتشوق إليها لمقاصد دينية وهي كونها قبلة أبيه إبراهيم عليه السّلام وأقدم القبلتين وأدعى للعرب إلى الإيمان الخ كما صرح به آنفا وصيغة المضارع للاستمرار فإن هذا الشوق قبل نزول هذه الآية كما أشار إليه بقوله وكان رسول اللّه عليه السّلام يقع في روعه الخ . وفي قوله لمقاصد تنبيه على أن تقلب وجهه المنيف ليس لميل النفس إلى خلاف ما أمر به بل كان بإلقائه تعالى في روعه أن اللّه تعالى يريد تغيير القبلة حتى قيل إن جبرائيل أتى رسول اللّه عليهما السّلام فأخبره أن اللّه سبحانه وتعالى سيحول القبلة عن بيت المقدس إلى قبلة أخرى ولم يبين له إلى أي موضع يحولها ولم تكن قبلة أحب إلى رسول اللّه عليه السّلام من الكعبة فكان عليه السّلام يقلب وجهه في السماء وروي هذا عن الحسن رحمه اللّه تعالى وبالجملة قوله لمقاصد دينية يدفع إشكالات كثيرة وطول الناس فيه كلاما وأطنبوا فيه بيانا وحاصله يرجع إلى ما ذكره المص . قوله : ( وافقت مشيئة اللّه تعالى وحكمته ) ولهذا أمر بالتوجه إلى الكعبة ونسخ الاستقبال إلى الصخرة وفي هذا الكلام نوع رمز إلى أن تقلب وجهه عليه السّلام بالإلهام دفعا لما يخطر من الأوهام فلا ينافي كون السابقة مرضية حين كونها مأمورا بها لأن كل مأمور حسن ما دام مأمورا ثم قوله تعالى
فَلَنُوَلِّيَنَّكَ
جواب قسم محذوف والفاء للدلالة على سببية ما قبلها لما بعدها سببا عاديا وأصل السبب إرادة اللّه تعالى تغيير القبلة والمعنى فو اللّه لنولينك الآية وهذا وعد بالتحويل قبل الأمر به ليحصل الفرح مرتين مرة في وقت إنجازه كأنه قيل فلنولينك قبلة فكن مترقبا لحصولها ومستعدا لشكرها واللّه ولي دينه . قوله : ( اصرف « 1 » وجهك ) الأولى فاصرف لئلا يوهم زيادته لأنها لتفريع الأمر بالتولية قوله : يحبها ويتشوق إليها وفي الكشاف تحبها وتميل إليها لأغراضك الصحيحة التي أضمرتها ووافقت مشيئة اللّه قال الراغب قيل لم يقصد بقوله ترضاها إنك ساخط للقبلة التي كنت عليها بل أنه صلّى اللّه عليه وسلّم القي في روعه أن اللّه يريد تحويل القبلة وكان يتشوقه ويحبه وقيل تحبها لأن مرادك لم يخالف مرادي وهذه منزلة يشير إليها أولو الحقائق ويذكرون أنها فوق التوكيل لأن قضية المتوكل الاستسلام لما يجري عليه من القضاء كأعمى يقوده بصير وهذه المنزلة هي أن يحرك الحق سره بما يريد فعله وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه أحبها اقتداء بإبراهيم عليه السّلام وعن الزجاج أحبها لاستدعاء العرب لها .
هامش
( 1 ) وفي اللباب روي عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أن أمر القبلة أول ما نسخ من القرآن والأمر -