تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 323

مساهمون:

ص٣٢٣
بِالنَّاسِ
[ البقرة : 143 ] الآية جملة مسوقة لتعليل ما قبلها فلذلك أكد بأن والجملة الاسمية ولفظة الجلال لتربية المهابة مع أن المقام مقام المضمر وإيراد الناس باللام المفيدة للاستغراق للتنبيه على عموم رحمته ورأفته والمخاطبون يدخلون فيه دخولا أوليا ولو قال فلا يضيع أجورهم فلا يضيع أجوركم لكان أحسن سبكا وأشد نظما إذ الكلام كما عرفت مسوق لتعليل وما كان اللّه ليضيع إيمانكم . قوله : ( ولعله قدم الرؤوف وهو أبلغ محافظة على الفواصل وقرأ الحرميان وابن عامر وحفص لرؤوف بالمد والباقون بالقصر ) وهو أبلغ من المبالغة بحذف الزوائد لا من البلاغة لأنه عبارة عن شدة الرحمة على ما في الصحاح فهو أخص من الرحيم فذكر العام بعد الأخص لا بد له من نكتة وتلي هنا المحافظة على الفواصل المراد بالفواصل هي الكلمة الأخيرة من الفقرة والكلمة الأخيرة من الآية المتقدمة شهيدا وفي هذه الآية رحيم فلا يوجد في حرف واحد إلا أن يقال هذا على ما ذهب إليه ابن الأثير من أن السجع التساوي في الوزن دون الحرف الأخير نحو شديد وقريب وهنا كذلك وإنما قال لعله لعدم الجزم في ذلك لجواز أن يكون كالتتمة والرديف له فذكر الرحيم بعد الرؤوف كذكر الرحيم بعد ذكر الرحمن بل هذا أولى بالاعتبار لأن الرؤوف لما دل على شدة الرحمة ذكر الرحيم ليتناول ما خرج منها ولأن ما ذكرنا عام في كل موضع قدم الرؤوف على الرحمة ولو في غير الفواصل كما في قوله تعالى :
رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً
[ الحديد : 27 ] الآية وقيل الرأفة مبالغة في رحمة خاصة وهي دفع المكروه وإزالة الضرر والرحمة أعم منه ومن الافضال ولما كان دفع الضرر أهم من جلب الرزق قدم الرأفة على الرحمة نقله عن القفال لكن يخالف « 1 » ما نقل عن الصحاح من أنها أشد الرحمة . قوله : ولعله قدم الرؤوف وهو أبلغ يعني كان مقتضى الظاهر أن يتأخر ليكون تدرجا وترقيا إلى الأعلى فالأعلى لكن قدم محافظة على الفواصل وأظن أن مراده من الفواصل فواصل ما وقع من الآيات تذييلا لنكتة من قوله تعالى فيما قيل :
يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
[ البقرة : 142 ] وجمع الفواصل بناء على أن أقل الجمع اثنان على قول فإن قلت قوله تعالى :
يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
[ البقرة : 142 ] ليس تذييلا لأن الكلام الوارد للتذييل يجب أن لا يكون له محل من الإعراب ولهذه الجملة محل من الإعراب لدخولها تحت حيز القول المأمور به قلنا هب أنه ليس تذييلا في كلام الآمر ولكنه تذييل في كلام المأمور عند تكلمه به امتثالا للأمر روى الإمام عن القفال رحمهما اللّه أنه قال الفرق بين الرأفة والرحمة أن الرأفة مبالغة في رحمة خاصة وهو دفع المكروه وإزالة الضرر كقوله
لا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ
[ النور : 2 ] أي لا ترأفوهما فتدفعوا الجلد عنهما وأما الرحمة فإنها اسم جامع يدخل فيه ذلك المعنى ويدخل فيه الإفضال والإنعام وقد سمى اللّه تعالى المطر رحمة فقال
يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ
[ الأعراف : 57 ] لأنه افضال من اللّه وانعام وذكر الرأفة أولا بمعنى أنه لا يضيع أعمالهم ويخفف المحن عنهم ثم ذكر الرحمة لتكون أعم وأشمل لا تختص رحمته بذلك النوع بل هو رحيم من حيث إنه دافع للمضار وجالب للمنافع معا .
هامش
( 1 ) وكذا يخالفه ما قاله ابن كمال من أن الرأفة باعتبار الصيانة عن النقائص التي يستحق بها العقاب والرحمة -