باعتبار صفته في موضع المفعول الثاني معطوف على مسلمين وهذا بناء على أن من هنا اسم بمعنى البعض لا حرف حتى يرد عليه أن كون الحرف مفعولا تعسف على أن الصواب ليس بصحيح بدل تعسف إلا أن يقال إن كونه مفعولا على تقدير كونه حرفا باعتبار متعلقه وما ذكره المص حاصل معناه وكون من اسما حين كونه بمعنى البعض مما صرح به النحرير التفتازاني ورضي به بعض الأعالي قيل لكن مجيء إن من ذريتي أمة بالنصب يدفع ذلك وجه الدفع أنه فيه إخبار عن أمة بأنها من ذرية المتكلم ولا ينبغي أن يصح الإخبار عن بعض الذرية بأنها أمة متصفة بكذا وأجيب بأنه يلزم من صحة مجيء إن من ذريتي أمة في مقام الإخبار عن أمة بأنها من ذرية المتكلم أن لا يصح الإخبار عن بعض الذرية بأنها أمة متصفة بكذا فإن لكل مقام مقالا ولا مدافعة بينهما انتهى ويؤيد ذلك كون زيد مبتدأ مرة وخبرا أخرى في قولك زيد أخوك وأخوك زيد وفي قولك زيد المنطلق والمنطلق زيد والمعترض وهو النحرير معترف بذلك في المطول ثم قوله إن من ذريتي كلام مرضه النحرير التفتازاني من عند نفسه وليس من القرآن لا ههنا ولا غيره لأنه يوجد هكذا في القرآن فقول البعض إن قوله إن من ذريتي أمة بالنصب من القرآن يدفع ذلك أي كون بعض ذريتنا مبتدأ لأن الآيات يفسر بعضها بعضا سهو عظيم وظن جسيم .
قوله : ( وإنما خصا الذرية بالدعاء لأنهم أحق بالشفقة ) لأنهم أي الذرية والذرية تطلق على الواحد والكثير كما صرح به المص في سورة آل عمران أحق بالشفقة والمرحمة قال اللّه تعالى :
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ
[ الشعراء : 214 ] وقال اللّه تعالى :
قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً
[ التحريم : 6 ] الآية .
قوله : ( ولأنهم إذا صلحوا صلح بهم الاتباع ) كما أن عكسهم كذلك كما بيناه في قوله تعالى
فَأُمَتِّعُهُ
[ البقرة : 126 ] على قراءته بالأمر وجهه هو أنهم أولاد الأنبياء فلأجل ذلك يكون صلاحهم سببا لصلاح غيرهم وكذا ضلالهم سببا لضلال غيرهم وحاصل هذا الوجه أن الدعاء لهم دعاء شامل لغيرهم أيضا فخص الذرية بالدعاء ظاهرا روما للاختصار وإشعار بفضلهم لا لأجل التخصيص فقط والعلة مجموع الأمرين ولذا عطف بالواو فلا إشكال بأن صلاح الاتباع لما كان مرادا فلم لم يذكرهم صريحا .
قوله : ( وخصا بعضهم لما أعلما أن في ذريتهما ظلمة ) بالوحي في زمانهما عليهما السّلام وقيل بقوله تعالى
وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ
[ الصافات : 113 ] والضمير في ذريتهما راجع إلى إبراهيم وإسحاق لا إلى إسماعيل مع أنه تعالى أخبر نبيه قوله : لما أعلما أن في ذريتهما ظلمة أي أعلما من قوله عز وجل :
لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ
[ البقرة : 124 ] بعد قول إبراهيم ومن ذريتي فإن في قوله تعالى :
لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ
[ البقرة : 124 ] إدماج أنه سيكون من ذريته ظلمة على ما سبق في تفسيره أنه إجابة إلى ملتمسه وتنبيه على أنه قد يكون من ذريته ظلمة .