وأصله الاختبار ومقتضاه كون الاختبار حقيقة له وهنا يدل كلامه على أنه مجاز في الاختبار حيث قال لكنه لما استلزم إلى قوله ظن ترادفهما فأشار إلى أن عدم الترادف حق وأن أصل معناه التكليف واستعماله في الاختبار والامتحان مجاز لكونه لازما له بالنسبة إلى من يجهل العواقب وهذا مع مخالفة لقوله فيما سلف مخالف لما في كتب اللغة قال في القاموس ابتليت اختبرته وقال الجوهري بلاه اللّه بلاء وأبلاه إبلاء حسنا وابتلاه أي اختبره ونقل عن الراغب أيضا أنه قال بلي الثوب بلاء خلق وبلوته اختبرته كأني أخلقته من كثرة اختباري له وسمي التكليف بلاء لأنه شاق ولأنه اختبار من اللّه تعالى وابتلى يتضمن أمرين أحدهما تعرف حاله والوقوف على ما يجهل من أمره والثاني ظهور جودته ورداءته وربما قصد به الأمران وربما يقصد به أحدهما فإذا قيل ابتلاه اللّه والمراد أظهر جودته ورداءته لا التعرف لأنه لا يخفى عليه خافية انتهى . وكلام مجموع هؤلاء الثقات يدل على أنه حقيقة في الاختبار مجاز في التكليف عكس ما جنح إليه المص هنا وموافق لما اختاره في قوله تعالى :
وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ
[ البقرة : 49 ] الآية وبالجملة لا كلام في استعمال الابتلاء في الاختبار والتكليف والاشتراك خلاف الأصل فالأحسن أن يكون حقيقة في أحدهما مجازا في الآخر والمص اختار كونه حقيقة في التكليف مجازا في الاختبار وصاحب الكشاف اختار عكسه حيث قال اختبر بأوامر ونواه واختبار اللّه تعالى مجاز عن تمكينه من اختيار أحد الأمرين ما يريد اللّه وما يشتهيه العبد كأنه يمتحنه ما يكون منه حتى يجازيه على حسب ذلك وهذا موافق لكلام الجمهور والمص اعترف في مواضع عديدة بأن الابتلاء يراد به معنى الاختبار واختبار اللّه مجاز على طريق التمثيل في قوله تعالى :
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ
[ البقرة : 155 ] الآية وفي سورة الملك والقول بأن الابتلاء يمكن حمله على التكليف هنا ولا داعي إلى ارتكاب المجاز بخلاف المواضع الأخر فإنه لا يمكن حمله على معنى التكليف الذي هو حقيقة فيه فيحتاج إلى ارتكاب المجاز ضعيف فإنه يمكن حمله على التكليف في سورة الملك وفي سورة هود مع أنه حمل على الاختبار على طريق الاستعارة التمثيلية قوله ظن ترادفهما أي ترادف التكليف والاختبار أو الابتلاء والاختبار حيث فسر الشيخ الزمخشري الابتلاء بالاختبار كتفسير الليث بالأسد وهذا ظن فاسد وقد عرفت ما فيه وما عليه .
قوله : ( والضمير لإبراهيم عليه السّلام أو حسن لتقدمه لفظا وإن تأخر رتبة ) والضمير أي ضمير ربه لإبراهيم عليه السّلام مع أنه مؤخر عنه رتبة فيلزم الإضمار قبل الذكر ودفعه بأنه إنما يلزم الإضمار قبل الذكر إذا لم يذكر صاحب الضمير لفظا وذلك جائز لتقدم مرجع الضمير وهو إبراهيم عليه السّلام لفظا وتأخره رتبة والاعتبار بالتأخر رتبة إنما يكون إذا لم يذكر مرجع الضمير ذكرا ظاهرا حتى أن تأخر مرجع الضمير لفظا ورتبة كضرب غلامه زيدا يكون ممتنعا .
قوله : ( لأن الشرط أحد التقدمين ) أي شرط صحة كون الشيء مرجعا أحد التقدمين