قوله : ( والخوف من الساعة وأهوالها ) فيه تنبيه على أن الأمر بالخوف عن الساعة التي عبر عنها في قوله
وَاتَّقُوا يَوْماً
[ البقرة : 48 ] باليوم المقصود منه الأمر بالخوف عما فيه من أنواع العقاب وطول الحساب .
قوله : ( كرر ذلك وختم به الكلام معهم مبالغة في النصح ) لكنه مع تغيير ما حيث ذكر الشفاعة فيما سبق بلفظ القبول متقدمة على العدل وهنا بلفظ النفع متأخرة عنه إشارة إلى أن انتفاء أصل الشيء وانتفاء ما يترتب عليه أعطى المتقدم وجودا تقدمه ذكرا وأعطى المتأخر وجودا تأخره ذكرا كذا قيل نقلا عن النهر وفيه نوع تعقيد فالأولى أنه تفنن في البيان وهو من شعب البلاغة لدى أهل البيان والنفع والقبول متلازمان والشفاعة دفع العذاب مجانا فجمع مع الجزاء مرة والنصرة أخرى للتنبيه على أن اجتماعه مع أحد الأمرين غير لازم لمخالفته لكل منهما في كون الشفاعة مجانا دونهما .
قوله : ( وإيذانا بأنه فذلكة ) القصة المقصود منها قال الطيبي في شرح المشكاة الفذلكة هي التي يأتي بها المحاسب بعد التفصيل ويقول كذا وكذا وهو مصدر مصنوع كالبسملة والحوقلة مأخوذ من قولك فذلك كذا وكذا قوله والمقصود منها بيان فائدة فذلكة القصة وإشارة إلى مناسبته لفذلكة الحساب فكما أن إجمال الحساب مقصود منه كذلك ما عبر بفذلكة القصة المقصود منها ففيه استعارة بديعة تظهر لمن له سليقة .
قوله تعالى :
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 124 ]
وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ( 124 )
قوله : ( كلفه بأوامر ونواه والابتلاء في الأصل التكليف بالأمر الشاق من البلاء لكنه لما استلزم الاختبار بالنسبة إلى من يجهل العواقب ظن ترادفهما ) كلفه معنى ابتلاه لأنه ذهب إلى أن الابتلاء في اللغة التكليف كما صرح به في قوله والابتلاء في الأصل وهذا ينافي قوله في تفسير قوله تعالى :
وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ
[ البقرة : 49 ] حيث قال قوله : وإيذانا بأنه فذلكة القصة الفذلكة ما قالوا في آخر حساب الأمور بالتفصيل فذلك كذا فهي مأخوذة منه كالبسملة والسبحلة والحوقلة فإن كل واحدة منها مأخوذ من كلام مركب من أكثر من كلمة ويجوز أن يراد بتكريره في آخر الكلام وإعادته حسن التخلص إلى قصة جدهم وبيان ما أنعم اللّه عليه فيكون قوله عز وجل :
وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ
[ البقرة : 124 ] عطف قصة على قصة متحدتين في الوجود .
قوله : والابتلاء في الأصل التكليف الخ يريد أن الابتلاء حقيقة في معنى التكليف بالأمر الشاق فاستعماله في معنى الاختبار مجاز مرسل من باب اطلاق اللفظ على لازم معناه الموضوع هو له وهذا الاستلزام صار منشأ الظن بأنهما مترادفان وفي الكشاف
ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ
[ البقرة : 124 ] اختبره بأوامر ونواه واختبار اللّه عبده مجاز عن تمكينه من اختيار أحد الأمرين ما يريد اللّه وما يشتهيه العبد كأنه يمتحنه ما يكون منه حتى يجازيه يعني أن المراد بالابتلاء هنا التكليف .