تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 135

مساهمون:

ص١٣٥
قوله : ( والصفح ترك تثريبه ) والتثريب التعيير والاستقصاء في اللوم وهو أبلغ من العفو إذ قد يعفو الإنسان ولا يصفح نقل عن الراغب أنه قال الصفح ترك التثريب فثبت أن هذا معناه لغة والظاهر أن بين العفو والصفح عموما وخصوصا من وجه وإن ذكر الصفح بعده من باب الترقي . قوله : ( الذي هو الإذن في قتالهم ) فوجوب العفو والصفح منتهيان بالإذن في قتالهم إذ مفهوم الغاية معتبر بالاتفاق قال المص في تفسير قوله تعالى :
أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا
[ الحج : 39 ] الآية وهي أول آية نزلت في القتال بعد ما نهى عنه في نيف وسبعين آية ولعل التعبير بالإذن هنا للتنبيه على ذلك . قوله : ( وضرب الجزية عليهم ) الأولى تقديمه على القتال إذ القتال ينتهي بإعطاء الجزية . قوله : ( أو قتل « 1 » قريظة واجلاء بني النضير وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه منسوخ بآية السيف ) وهذا إن قيل إن الآية نزلت في أهل الكتاب والأول ناظر إلى كون نزولها في شأن المشركين هذا هو الظاهر ويحتمل العموم . قوله : ( وفيه نظر إذ الأمر غير مطلق ) بل مقيد بقوله :
حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ
[ البقرة : 109 ] والنسخ لا يكون إلا في المطلق ولو لم يقيد به لظهر النسخ كقوله تعالى :
فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ
[ الحجر : 85 ] إذ النسخ رفع الحكم المؤبد بحسب الظاهر بالنسبة إلى العباد وإن كان بيانا لمدة انتهاء الحكم بالنسبة إلى الشارع فلما كان قوله : والصفح ترك تثريبه أي ترك تغيير المذنب بقبح فعله والتثريب الاستقصاء في اللوم يقال منه لا تثريب عليك كما قال الشاعر :
فعفوت عنهم عفو غير مثرب * وتركتهم لعقاب يوم سرمد
يقال ثربت عليه إذا قبحت عليه فعله وفي الكشاف في تفسير فاعفوا واصفحوا فاسلكوا معهم سبيل العفو والصفح عما يكون من الجهل والعداوة قال بعض شراح الكشاف وإنما فسر بقوله فاسلكوا سبيل العفو إشارة إلى أن العفو لا يكون على سبيل الرضاء بما فعلوا بل بطريق دفع زيادة إيذائهم ولذا علق بقوله
حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ
[ البقرة : 109 ] وإنما أوثر العفو على الصبر على أذاهم إيذانا بتمكين المؤمنين ترهيبا للكافرين . قوله : وفيه نظر إذ الأمر غير مطلق بل مقيد بالغاية وهو قوله
حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ
وأورد الإمام هذه الشبهة حيث قال كيف يكون منسوخا وهو معلق بغاية كقوله تعالى :
ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ
[ البقرة : 187 ] وإذا لم يكن ورود الليل ناسخا لم يكن ورود اتيان الأمر ناسخا وأجاب أن الغاية التي يتعلق بها الأمر إذا كانت لا تعلم إلا شرعا لم يخرج ذلك الوارد من أن يكون ناسخا ويحل محل
فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا
إلى أن أنسخة لكم قال الطيبي ويؤيده حكم التورية والإنجيل لأنه ذكر فيهما أن انتهاء مدة الحكم بهما إرسال النبي الأمي نحو قوله تعالى :
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ
[ الأعراف : 157 ] فكان ظهوره صلّى اللّه عليه وسلّم نسخا واللّه أعلم .
هامش
( 1 ) قاله ابن عباس وعلى الوجهين الأمر واحد الأوامر .
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 135 | اسماعيل بن محمد القونوي / عبد الله محمود محمد عمر