قوله : ( فيقدر على النسخ ) أشار به إلى أن المراد بهذا الكلام الاستدلال بعلمه بما ذكر على قدرته تعالى على النسخ والإتيان بما هو خير والإتيان بمثل المنسوخ أو ما هو خير منه من المنسوخ وبما هو مثله كأنه قيل النسخ والإتيان بما ذكر مقدور اللّه تعالى لأنه ممكن حادث وكل ممكن حادث مقدور اللّه تعالى فذلك مقدور اللّه تعالى وكل مقدور اللّه تعالى يتضمن حكمة بالغة ومصلحة كاملة فالنسخ يتضمن حكمة ومصلحة عظيمة وكل ما هذا شأنه فيجب على العاقل تلقيه بالقبول والاعتراض عليه خارج عن مركز العقول وبملاحظة تلك المقدمات يتضح رد الطاعنين للنسخ وعن الصواب غافلون فلا إشكال بأنهم لم ينكروا القدرة على النسخ بل أنكروه لأن الأمر يقتضي حس المأمور به والنهي قبحه فكيف يكون الشيء الواحد حسنا وقبيحا وذهلوا عن أن الشيء الواحد يكون حسنا في وقت وعصر لتضمنه منفعة ومصلحة في ذلك الوقت وقبيحا في عصر آخر كأسباب المعاش كما سيذكر ولا ريب في أن تمام الدليل إنما هو بملاحظة المقدمات المذكورة ويكفي في بيان هذا المطلب على هذا المسلك قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
[ البقرة : 20 ] لكن الاستدلال بعلمه بشمول القدرة أشد وقعا وأرفع ردا أو الالتفات من ضمير المتكلم إلى الاسم الجليل لتربية المهابة وإدخال الروع في قلوب المنكرين وللاشعار بأن شمول القدرة لكل ممكن من مقتضى الألوهية .
قوله : ( والآية دلت على جواز النسخ ) فيه إشارة إلى رد ما ذكره بعضهم من أنها لا تدل على جواز النسخ لأن صدق الشرطية لا يتوقف على صدق الطرفين كما في قوله تعالى :
قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ
[ الزخرف : 81 ] الآية وجه الرد هو أن الأصل أي الراجح إذا لم يمنع مانع اختصاص كلمة أن وما يتضمنها من أدوات الشرط سوى إذا بالأمور المحتملة للوقوع واللاوقوع فهل هذا إلا معنى الجواز وهذا الأصل ترك في الآية « 1 » المذكورة لبرهان قاطع على امتناع الولد ولا صارف هنا فبقي على أصله فدلت على جوازه قيل حكي أن هذه الآية لا تدل على جواز النسخ عن المنكرين للنسخ من أهل الإسلام انتهى . لكن مرادهم أن الشريعة المتقدمة مؤقتة إلى وقت ورود الشريعة المتأخرة وكذا ما وقع في القرآن مما يظن أنه منسوخ أنه موقت إلى ورود الشرعي المتأخر وإلا فكيف يتصور من مسلم إنكار ذلك أشير إلى ما ذكرنا في التوضيح فحينئذ يكون النزاع لفظيا فتأمل « 2 » قوله : فيقدر على النسخ الخ بيان لاتصال هذه الآية بما قبلها .
هامش
( 1 ) وهي قوله تعالى :قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌالآية وحمل إن على لو .
( 2 ) وأما إنكار اليهود ونزاعهم فمعنوي فعند بعضهم أنه باطل نقلا بزعمهم أن في التورية تمسكوا بالسبت ما دامت السماوات والأرض وادعوا نقله متواترا ويدعون النقل عن موسى عليه السّلام أن لا نسخ لشريعته والجواب أن هذا النقل غير صحيح لوجود التحريف وفي زمن بخت نصر كاد أن ينقطع عرق اليهود فانتفى شرط التواتر وعند بعضهم باطل عقلا لأنه يوجب كون الشيء حسنا وقبيحا وسيجيء الجواب عنه .