المصالح من حيث إن كل واحدة منها حق بالإضافة إلى زمانها مراعى فيها صلاح من خوطب بها ولهذا السر جرى النسخ فيما بين الأمم السالفة ونسخ القرآن بعض أحكام سائر الكتب وكذا الحال في نسخ آية من القرآن بآية أخرى أو بحديث كما هو عند الأئمة الحنفية رحمهم اللّه تعالى وكذا نسخ حديث بآية أو بحديث آخر متأخر عنه عندهم أيضا والتفصيل في الأصول وأما النسخ قبل العمل فنادر والكلام في النسخ الذي هو كثير الوقوع وإذا عرفت التفصيل علمت أن الحال في الإنساء على هذا المنوال هذا إذا قيل إن للمنسي بدلا خيرا منه أو مثله وأما إن قيل إن ليس له بدل فجريان التفصيل المذكور فيه خفي ويؤيده قول من قال في دفع الاشكال بأن الكلام يقتضي أن يكون للإنساء بدل أن المعنى ما ننسخ من آية نأت بخير منها أو مثلها وما ننس من آية لم نأت بدلها فحذف في الجزاء ما يقابل به في الشرط فلما لم يكن له بدل لا يحسن أن يقال إن التفصيل المذكور في النسخ جار في المنسي وأما القول بأن الخير أو المثل المأتي به لا يلزم أن يكون بدلا لأن معنى البدل أن يشتمل على تبديل للحكم المنسوخ وبيان لانتهائه وبالجملة يكون له تعلق بالآية المنسوخة والمأتي به لا يلزم أن يكون كذلك كما لو ذهب بآية الرجم مثلا وأتى بآية إيجاب الزكاة فضعيف جدا إذ البدلية وكونه ناسخا ومنسوخا لا بد وأن يكون مناسبة ما بينهما فالقول بأن آية إيجاب الزكاة خير من آية الرجم أو مثلها في غاية من السخافة والقول الأول هو المعول عليه وهذا الحكم غير مختص بنسخ الآية التامة فما فوقها بل جار فيما دونها أيضا وتخصيصها بالذكر باعتبار الغالب والآية في اصطلاح الشرع طائفة من كلمات القرآن المتميزة عن غيرها بفصل فمن قال الآية على المعنى اللغوي وهو جماعة من الكلام يقال خرج القوم بآيتهم أي بجماعتهم إذ لا اختصاص للنسخ بتمام الآية المصطلحة فقد تكلف لأن هذا المعنى غير مستعمل في عرف القرآن ولو سلم استعماله في كلام الفصحاء وحمل اللفظ على المعنى الغير المتعارف لا يليق بجزالة النظم الكريم وبناء الكلام على الغائب الأكثر شائع بين البلغاء وقد يعبر عنه بأن الحكم أكثري لا كلي حتى قيل وللأكثر « 1 » حكم الكل وهذا يؤيد ما ذكر ولو قيل قوله
نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها
[ البقرة : 106 ] بناء على الغالب أيضا لاندفع كثير من الشبه ولكان خاليا عن التمحل .
قوله : ( وقرأ أبو عمرو بقلب الهمزة ألفا ) لأن الهمزة ساكن ما قبلها فصار
نَأْتِ بِخَيْرٍ
الآية ألم تعلم أن الهمزة لإنكار النفي « 2 » وتقرير المنفي كما في قوله تعالى :
أَ لَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ
[ الزمر : 36 ] أي اللّه كاف والمعنى هنا قد علمت وتوجه الخطاب إلى النبي عليه السّلام مع أن سبب النزول يقتضي كون الخطاب للطاعنين للإظهار لكمال لطفه وللتنبيه على انحطاط رؤيتهم عن ساحة الخطاب وإن كان له وجه على وجه العتاب .
هامش
( 1 ) هذا تنظير لما نحن فيه .
( 2 ) الإنكار الوقوع ويسمى الإنكار الإبطالي .