الرزق بكونه مبتدأ من الجنات وابتداؤه منها بابتدائه من ثمرة يعني أن ابتداءه من الجنات على الإطلاق وابتداءه من ثمرة على تقييد ابتدائه بكونه من الجنات انتهى ولم يتفطن أن الإطلاق والتقييد إذا كان متعلقهما واحدا وكلام المص صريح في تغاير متعلقهما قوله يعني أن ابتداءه من الجنات الخ يشعر أن ابتداء الرزق من الجنة على الإطلاق وابتداء الرزق من ثمرة لكن على التقييد وهذا سهو عظيم ولم يكتف بقوله كلما رزقوا من ثمرتها رزقا بدون ذكر الجنة ليكون الكلام إيضاحا بعد إبهام وهو أوقع في النفوس وأكثر مواضع الإطناب من هذا القبيل وتخصيص الثمرة بالذكر لمناسبة الأنهار إذ الأثمار تسقى بماء وتحصل بها بطريق جري العادة لا سيما إذا كان المعنى على ما اختاره وهو الصواب تجري من تحت أشجارها الأنهار أي ماؤها وكونه إشارة إلى أن عامة مأكولهم الثمار والفواكه لأنهم لا يمسسهم جوع ولا نصب يحوجهم إلى القوت ضعيف لما ذكرنا من سبب التخصيص ولما قال المص في سورة الواقعة لما شبه حال السابقين في التنعم بأكمل ما يتصور لأهل المدن الخ . فتأمل وأيضا ظهر مما ذكر في سورة الواقعة أن التنعم بالفواكه مشترك بين السابقين وأصحاب اليمين وأما سائر النعم وإن كان مشتركا بينهم لكن بعض النعم غالب التنعم به أحوال السابقين والآخر أحوال أصحاب اليمين كما يظهر على من راجع إلى بيان المص في تلك السورة فظهر وجه آخر لتخصيص الثمرة بالذكر .
قوله : ( ويحتمل أن يكون من ثمرة بيانا تقدم ) فعلى هذا يكون الظرف الأول أي منها قوله : ويحتمل أن يكون من ثمرة بيانا تقدم تقديره رزقا هو ثمرة لكن جيء بمن التجريدية مبالغة في كون الثمرة مرزوقا كأنه جرد من ثمرة شيء بحسب وصف المرزوقية وسمي رزقا لكمال ذلك المعنى فيها قيل كلامه هذا يدل على أن من التجريدية للبيان قال بعضهم ليت شعري إذا حمل على البيان لم جعل من أسلوب التجريد مع أن البيان يحمل المبين على المبين أظهر لأن رزقا مبهم يفسره الثمرة أي الرزق الذي هو الثمرة كما في قولك أنفقت من الدراهم ألفا فإنه ليس من أسلوب التجريد وقال الفاضل أكمل الدين الظاهر أنه لا مانع عن ذلك في موارد من البيانية كلها فإنه يجوز أن يقال في قوله تعالى :
فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ
[ الحج : 30 ] إذ الأوثان بلغت في صفة النجاسة بحيث يجوز أن يجرد منها رجس وكذلك الدراهم بلغت في الانفاق كثرة يمكن أن يجرد منها نهاية مراتب العدد وإذا كان ذلك أمرا اعتباريا لا يستلزم محالا لم يستبعد جوازه وعلى حمل من على البيان يصح أن يراد بالثمرة النوع من الثمار والثمرة الفردة لأنه إذا كان من للبيان كان معناه كلما رزقوا من الجنات الرزق الذي هو الثمرة وصح أن تكون فردة ونوعا إذ على هذا التقدير لا مانع من إرادة الفرد وهو معنى الابتداء المستلزم أن يكون الرزق غير الثمرة فتنوين ثمرة على الوجه الأول للنوعية فقط لا يحتمل أن يكون للتقليل المفيد الفرد والشخصية وعلى الثاني يجوز أن يكون للنوعية وأن يكون للشخصية أي رزقا هو نوع من الثمرة أو فرد من النوع و
رِزْقاً
[ البقرة : 25 ] على الوجهين ثاني مفعولي
رُزِقُوا
[ البقرة : 25 ] قال بعضهم جعل هذا البيان على منهاج رأيت منك أسدا مبني على أن من البيانية راجعة إلى ابتداء الغاية فلا بد من اعتبار التجريد بأن ينتزع من المخاطب أسد ومن الثمرة رزق وهو غير الرزق .