بقوله فالمعنى هذا مثل الذي بتقدير مضاف وأيضا معنى المثل الاتحاد في النوع فيؤول إلى الإشارة إلى النوع وفيه مجاز في الحذف كما أن في الأول مجازا مرسلا والمجاز المرسل أبلغ وقد رجح كونه إشارة إلى عين الثمرة بأن هذا إذا لم يذكر معه الوصف يكون إشارة إلى المحسوس دون النوع لكونه ماهية كلية وهي وإن كانت موجودة في الخارج لكنها ليست محسوسة ولو بواسطة فرده والقياس على ذلك المثال قياس مع الفارق إذ ذكر فيه الوصف أي الماء فصار كقولنا هذا النوع لا كقولنا هذا فقط والكلام في الثاني دون الأول ولعل المص لم يسلم ذلك لأن الاعتماد على القرينة فإذا تحققت القرينة على إرادة النوع حمل عليه سواء ذكر فيه الوصف الذي يقتضي النوع أو لا ألا يرى أنه إذا ذكر الوصف الذي ينتظم مع إرادة الشخص يحمل هذا على الإشارة إلى الشخص المعين وما نحن فيه القرينة قائمة على إرادة النوع إذ استقامة المعنى على إرادته واضحة والتقدير خلاف الظاهر والجريان بفتحات مصدر جرى الماء جريا وجريانا قيل : ووقع في بعض النسخ بدله جزئياته والأولى أولى ولم نطلع على تلك النسخة واستحكم بمعنى قوي فالسين للتأكيد يقال قوله كقوله أبو يوسف أبو حنيفة إشارة إلى وجه آخر وهو جعله عينه مبالغة بلا تقدير مضاف لكن إما بطريق التشبيه البليغ أو بطريق الاستعارة نحو زيد أسد وقد مر الكلام فيه على وجه الشبع في تفسير قوله تعالى :
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ
الآية .
قوله : ( أي من قبل هذا في الدنيا جعل ثمر الجنة من جنس ثمر الدنيا لتميل النفس إليه أول ما رأت فإن الطباع مائلة إلى المألوف متنفرة عن غيره ) قدمه كأنه مختار عنده لكن قوله : فإن الطباع مائلة إلى المألوف متنفرة عن غيره قيل فيه نظر لأن تجدد الصورة أحب إلى النفس والذ لديها من مشاهدة معاد ولكل جديد لذة قال صاحب المفتاح ولعمري إن التوفيق بين حكم الألف وبين حكم التكرار أحوج شيء إلى التأمل لأن الألف مع الشيء لا يتحصل الا بتكرره على النفس ولو كان التكرار يورث الكراهة لكان المألوف أكره شيء عندها وامتنع إذ ذاك نزاعها إلى مألوف والوجدان يكذبه وقالوا في التوفيق إن الشيء الذي تميل إليه النفس ولها به شغف كالعلوم والمشاهدات فتكراره يزيده في الشغف والإلف وإذا كان دونه كالمأكول والمشروب فالتكرار يؤدي إلى الملال وقال الفاضل أكمل الدين يجوز أن يقال في التوفيق بينهما إن إعادة المألوف بعينه هي التكرار الموجب للكراهة والملال وأما مع مزية وضم اعتبار فهو الموجب للانس والميلان وهو معنى قول صاحب الكشاف ولأنه إذا ظفر بشيء من جنس ما سلف له به عهد وتقدم له معه الف ورأى فيه مزية ظاهرة وفضيلة بينة وتفاوتا بينه وبين ما عهد بليغا افرط ابتهاجه وطال استعجابه واستغرابه وتبين كنه النعمة فيه حق التبيين وأقول عندي إن مثل هذا يتفاوت بتفاوت المراتب والحال والمقام وزيادة ميلان النفس إلى بعض أشياء فتجد مستلذا كلما كرر وأعيد كما هو في المشاهد كذلك فرب مطعوم ومشروب أو كلام أو صورة قد تعافه النفس وتكرهه عند تكرره ورب شيء من ذلك الجنس يستطاب عندها ويستلذ كلما تكرر وأعيد لما فيه من أمر ملائم كلما شوهد ينجذب الطبع إليه بالضرورة كما قيل في صفة كلام مستحسن يعاد ويستطاب فإن أحلى الكلام المستعاد والمستطاب والحاصل أن أي شيء استطابه النفس في وجدانها واستلذه لا تكرهه