تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 77

مساهمون:

ص٧٧
بأنه مدفوع بإبراز دليل قاطع يدل على خلافه ليس بشيء فإنه مشترك الورود وهنا يمكن القول بذلك انتهى وفيه بحث أما أولا فلأن هذا يؤدي إلى مفسدة عظيمة لأن أحدا من أهل الإلحاد إذا ادعى تواترا على مذهبه الباطل ونقل ذلك التواتر عن إمامه فيماذا يجيب أهل الحق عنه وبأي شيء يتوسل إلى إلزامه ومثل هذا لا ينبغي أن يخطر بالبال فضلا عن أن يعتبر عنه بالمقال وإما ثانيا فلأنه يبعد عن الإمام الشافعي السكوت عن بيان ذلك التواتر لا سيما إذا كان قصده رد المخالفين بإبراز الدلائل وإما ثالثا فلأنه يبعد كل البعد التفرد بذلك التواتر مع توفر الناقلين والمنقول إليهم وفرط هممهم تتبع الأخبار والآثار في الحضر والأسفار وقوله ورب متواتر عند قوم دون آخرين إن أراد به في أمور الدين وبيان الحق المبين لا نسلم ذلك بل هذا أول المسألة فليبين واحدا من ذلك فمحال أن يفوز بما هنالك وإن أراد في أمر من أمور الدنيا فلأنه لو سلم ذلك فلا يضرنا ثم قال ثم إن الجواب الصواب من جانب المص هو أنه لا يقدح مخالفة مالك في ثبوت هذا التواتر لما عرفت من أنه يمكن أن يكون شيء متواترا عند قوم دون آخرين والشاهد لذلك حال القراءات السبع « 1 » فإن كل واحدة منها متواترة عند صاحبها دون الآخر انتهى . هذا غير مطلوب البيان فإنه لو كان كذلك لا يكفر منكر من اختار إحدى القراءات السبع دون ما عداها وعدم جواز الصلاة بغير ما اختاره ولو سلم ذلك فلا يصح هنا إذ الإمام مالك يدعي التواتر على عدم قرآنيتها كما سيجيء الإشارة إليه فيلزم التواتر على المتناقضين مع أن القواطع لا يصح حملها على المعاني المتناقضة فضلا عن القواطع الدالة على المعاني المتناقضة إلا أن يقال « 2 » إن مالكا لا يدعي التواتر على عدم قرآنيتها بل يدعي عدم التواتر في قرآنيتها فالصواب أن كل واحدة من تلك القراءات السبعة متواترة عند كل قارىء من القراء السبعة لكن كل واحد اختاروا واحدة منها لكونها على لغته ويدل عليه قوله عليه الصلاة والسلام : « إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف » وقال ولده المحقق التاج في بعض فتاواه القراءات التي اقتصر عليها الشاطبي والثلاثة التي هي قراءة أبي جعفر وقراءة يعقوب وقراءة خلف متواترة معلوم من الدين بالضرورة أنه منزل على رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم لا يكابر في شيء من ذلك إلا جاهل وليس تواتر شيء منها مقصورا على من قرأها بالروايات بل هي متواترة عند كل مسلم يقول أشهد أن لا إله إلا اللّه وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ولو كان مع ذلك عاميا جلفا لا يحفظ من القرآن حرفا قال ولهذا تقرير طويل وبرهان عريض لا تسعه هذه الورقة وحظ كل مسلم وحقه أن يدين اللّه وتجزم نفسه بأن ما ذكرناه متواتر معلوم باليقين لا تتطرق الظنون ولا الارتياب إلى شيء منه انتهى كذا في الاتحاف في القراءات الأربعة عشر وقال الإمام عبد الوهاب السبكي قراءة العشرة متواترة
هامش
( 1 ) وهذا الإشكال لا يرد على تواتر القراءات السبع لأن كل واحد مروي غايته أنه لم يصل إلى من يخالفه فحينئذ ينقل إليه أو وصل إليه لكن لم يحصل له تواتر ولا علم وأما ما ادعى هنا من أن التواتر لو حصل للإمام ولم ينقل إلينا فيؤدي إلى ما ذكرنا ولو صح هذا الباب لانسد الزام المخالفين على ذوي الألباب نعم يفيد مثل هذا في مقام التحقيق لا في الإلزام ولعل هذا مراد الشيخ . ( 2 ) أو يقال إن كل واحدة من تلك القراءات متواترة عند صاحبها لسبب من الأسباب وبهذا القدر يجوز العقل خبر جم غفير فيجوز أن يورث علما قطعيا فيكون تواتر الشخص دون غيره مع وصوله إليه .