ومع هذا يمكن كون ذلك منشأ ضعف احتمال الاستثناء ولو أريد بالنعم الأخروية ولم يفسر بذلك والتزم بأن المستثنى عين المستثنى منه لم يبعد فإنه وإن لزم منه استثناء الكل لكن ليس بلفظه ولا بما يساويه نحو قوله عبيدي أحرار إلا هؤلاء فإنه صحيح عند أصحابنا لأنه استثني بلفظ يكون أخص منه لكن في الوجود يساويه كما في التوضيح وهنا كذلك أخره وعبر بأن التي للشك إذ المرضي عنده كون المراد النعم الأخروية كما صرح به أولا وأومىء إليه ثانيا وأوضحنا كلامه في كل موضع على هذه الإرادة وإنما قيده بذلك دون الأولين فإنهما يصحان بتفسير النعم الأخروية .
قوله : ( والغضب ثوران النفس ) الثوران بالفتحات كنز وأن التحرك من ثار يثور إذا تحرك بسرعة والنفس ذات الشيء وحقيقته ثم قيل للروح لأن نفس الحي به وللقلب لأنه محل الروح أو متعلقة وللدم لأن قوامها به كذا قاله المصنف في أوائل سورة البقرة والمراد هنا إما الذات أو الروح والنفس الناطقة لأن الغضب من كيفيات النفس وأما إرادة الدم وإن صحت بل وافق لما قيل من أنه غليان الدم لكن يأبى عنه قوله إرادة الانتقام لأنه ليس فعل الدم وقوله عليه السلام : « اتقوا الغضب فإنه جمرة في قلب ابن آدم » ألم تروا إلى انتفاخ أوداجه وحمرة عينه محمول على التشبيه أي فإنه كجمرة لأنه كيفية الحرارة الغريزية تعرض للنفس بسبب من الأسباب الدينية أو الدنيوية يتبعها غليان الدم وإطلاقه على ما عدا الكيفية مجاز باعتبار السببية فالظاهر أن إطلاقه على ثوران النفس بأي معنى أريد من النفس مجاز فإنه من مقولة الفعل والغضب من مقولة الكيف إلا أن يراد به الحاصل بالمصدر .
قوله : ( إرادة الانتقام ) علة حصولية فإن تلك الإرادة منشأ غليان الدم وحركة النفس وليس بالعكس ولا ينافيه ما ذكرناه آنفا فإن لتلك الإرادة سببا منشأ لها .
قوله : ( فإذا أسند إلى اللّه تعالى ) كما فيما نحن فيه إذ المغضوب المضاف إليه غير قوله : والغضب ثوران النفس إرادة الانتقام فإذا أسند إلى اللّه تعالى أريد به المنتهى لما امتنع وصفه تعالى بحقيقة الغضب كما في الرحمة لأنهما من الأعراض النفسانية المستحيلة على اللّه سبحانه وجب أن يصرف الكلام عن ظاهره ويصار الألفاظ الدالة على هذه الأعراض عند إسنادها إلى اللّه تعالى إلى المجاز فههنا قاعدة كلية هي أن للأعراض النفسانية كالرحمة والغضب والفرح والسرور والحياء والمكر والخداع والاستهزاء أوائل وغايات فإذا وصف اللّه تعالى بشيء منها يكون محمولا على الغايات لا على البدايات مثلا الغضب كيفية تعرض للنفس بسببها يغلي الدم ويتحرك الروح إلى خارج دفعا للمكروه وطلبا للانتقام فابتداه غليان الدم وحركة الروح وغايته إرادة الانتقام من المغضوب عليه فهو في حق اللّه تعالى محمول على إرادة الانتقام لا على غليان الدم وأيضا الحياء له أول وهو انكسار يحصل في النفس وله عرض وهو ترك الفعل فلفظ الحياء في حق اللّه تعالى يحمل على ترك الفعل لا على الانكسار وهذه قاعدة لطيفة في هذا الباب واجبة الحفظ فإن فيها نجاة عن الشكوك الواقعة في إطلاقات بعض الأسماء الحسنى على اللّه تعالى وفي إسناد بعض الأفعال إليه تعالى .
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 276
مساهمون: اسماعيل بن محمد القونوي
ص٢٧٦