( وقد قرىء به ) أي قراءة شاذة منسوبة لهارون بن موسى العتكي ومراده التأييد بكون النصب أصلا ولا يخفى ضعفه إذ لا يقاوم القراءة المتواترة فضلا عن دلالته على أصالته .
قوله : ( وإنما عدل عنه ) « 1 » لأن أصله بناء على مقتضى اللغة حمدت أو أحمد للّه حمدا حذف الفعل لدلالة المصدر عليه وأدخلت اللام عليه وعدل عن النصب ( إلى الرفع ) وقدم الحمد وجه العدول ما ذكره وأما بالنظر إلى العلة المقتضية فلا عدول .
قوله : ( ليدل على عموم الحمد ) أي بوسطة اللام جنسا كان أو استغراقا ودلالة المجموع بالوضع النوعي وفيه إشارة إلى أن النصب لما دل على الفعل المقدر والمقدر كالملفوظ امتنع قصد العموم لدلالته على النسبة إلى الفاعل المعين وينكشف منه أن النسبة إذا اعتبرت إلى فاعل ما لا يمتنع قصد العموم كيف وقد ذهب أئمة الشافعي إلى أن اضرب مختصر من أطلب منك ضربا فلا عموم لكنه يحتمل أن يقدر المصدر معرفة بدلالة القرينة فيفيد العموم ومقام الحمد قرينة واضحة على العموم وما نقل عن المص هنا كما كتبنا « 2 » في الهامش منظور فيه إذ قوله إذ يمتنع إنشاء الحمد للّه الذي يقوم بغيره فكذا في حالة الرفع ضعيف إذ الحامد إنشاء الحمد بإخبار أن كل حمد من كل حامد أو جنسه مختص ثابت له تعالى فالحمد للّه الذي انشاء الحامد يقوم بنفسه ولا عموم فيه بل العموم في إخباره أن كل حمد قائم بكل أحد مستحق له وهذا الخبر ليس بحمد بل هو محمود به ويحصل بذلك الإخبار الحمد والثناء وهذا ظاهر ولعل هذا المنقول افتراء عليه واعترض بأن اللام إذا قارنت النصب أيضا بحمل على العموم فأجيب بأن ذلك عموم حمد المتكلم وليس قوله : وإنما عدل عنه إلى الرفع ليدل على عموم الحمد وثباته المراد العموم بالنسبة إلى الحامد لا العموم بالنسبة إلى افراد الحمد فإن ذلك إنما يستفاد من اللام الاستغراقية مع معونة المقام لا من الرفع ألا يرى إذا قلنا أحمد اللّه الحمد بالنصب وجعلنا اللام لاستغراق الجنس يفيد الشمول والإحاطة بالإفراد وإنما كان أصله النصب لأن المصادر أحداث متعلقة بمحالها التي هي صادرة عنها لأنها معان غير قائمة بأنفسها محتاجة في قيامها إلى المحل فكانت هذه المصادر تقتضي أن تدل على نسبتها إلى محالها اقتضاء ذاتيا والأصل في الدلالة على النسب والتعلقات هو الأفعال الاصطلاحية فهذه المناسبة تستدعي أن تلاحظ مع المصادر أفعالها الناصبة لها وقد تأيدت هذه المناسبة في مصادر مخصوصة بكثرة استعمالها منصوبة بأفعال مضمرة كقولهم شكرا وكفرا وعجبا وسقيا ورعيا ومنها سبحانك ومعاذ اللّه ولا يكاد تستعمل معها أفعالها الناصبة لها وقد كان استعمالها معها عند أهل اللغة كالشريعة المنسوخة في أنه خروج عن طريقة مسلوكة إلى طريقة متروكة .
هامش
( 1 ) الأولى وإنما عدل عنه وادخل اللام إلا أن يقال الكلام في الحمد مع اللام .
( 2 ) قيل إن هذا على تقدير أن يكون اللام في المبتدأ للعموم وفيه نظر لأنه أريد به معناه الذي يفيده النصب من إنشاء الحمد من نفس الحامد واللام في النصب متعين للجنسية إذ يمتنع إنشاء الحمد الذي يقوم بغيره فكذا في حالة الرفع كذا نقل عن المص وفيه نظر يعرف بالتأمل .